كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 07-10-2005
الف منفى ومنفى.
" لا اتكلم عن صفح او عن انتقام ،
فالنسيان هو الصفح الوحيد ، وهو الانتقام الوحيد "
بورخس
عبد العظيم فنجان
لايوجد ليل بدون برابرة .
هناك برابرة بدون ليل ، لكن لا ليل بدون برابرة :
ليلنا او ليلـك ِ ...
اتطلع من النافذة ،
التي افتض البرابرة ، في ظلامها ، غشاء برائتي البكر ،
لأنني كنت عاريا تماما ،
الا من الفانوس الوحيد المضيء : قلبي .
اسكنه كنتُ كالشعلة ،
لكنهم اقتحموه فجأة ، ونثروني ، قطعة قطعة ، عبر العالم .
من وقتها وانا اكتب الشعر لأجمعني ، ومامن فائدة ،
فقد كان هناك شيئا فيّ يسمـّونه الكائن ،
الا انه تبخـّر من مسام بشـَرتي ، فيما كنتُ اذوب حسرة بعد حسرة .
من يومها لم اعد احدا .
صار من الصعب جدا ان اجد لفظا يناسبني ،
لأنني تخطيتُ حتى مرحلة ان اكون شبحا ،
فاصبح ما يثبتُ وجودي هو السخام وحده ،
يرشه البرابرة ، بخناجرهم ، على حيطان ذكراي :
عند ذلك فقط
اكون قد وجدت مـَن يثبت اني قد عشت على هذا الكوكب ،
في هذه الغرفة التي اتطلع من نافذتها ،
ماسكا بقضبانها ،
اهزها
كمن يريد ان ينتزع أصابع امرأة من بين يديها .
هذه النافذة تهرب ، سرا ، في الليل ،
عندما يقفل البرابرة اجفانهم ،
لتأتي بالقمر المرسوم على قميص السماء ،
من اجل أن اكرر عليه الكذبة الوحيدة :
لم اخلصْ ، في حياتي كلها ، الا للشعر ،
ومع ذلك لم اكتبه كما ينبغي .
لكنني ، رغم اني لم اعد أحدا بعينه ،
كلمـا تطلعتُ من النافذة ، رايتُ القمر اخضر ،
والقيود ، التي حول معصميّ ،
حزمة من سلاسل الجبال التي عبرتـُها ،
عبر انفاق دخان الترياق الأزرق ،
مع مهرّب رسم خارطة الطريق على ظهره ،
وأنا خلفه احاول فك طلاسمه الغريبة ،
فقد كانت الجبال متحركة ، حسب رأيه ، وأن الارض ليست كروية ،
حتى انه لمـّا قرر ، في لحظة نشوة ، ان ينتحر كالبغل ،
ملقيا بنفسه الى الوديان ،
كان عليّ ان استعيد الخارطة بذاكرة مكتظة بغبار الحشيشة،
وبالآثار المتروكة من سـُكرٍ طويل مع الحروب ،
في حانات لاتطلب منك ثمنا سوى ان تموت اكثر من مرة ،
وأنت تمر ، مترنحا كالذبيحة ، بين موائدها .
أن تشربَ ، أن تسكر ، أن تنسى ..
يوما بعد آخر،
تحول المستقبل، امام عيني ، الى ماض نسيته ،
مثل كتاب ، في مكان ما ، ولم اعد اتذكر مافيه ،
سوى كتلة من الألم ،احملها على ظهري ، كصخرة سيزيف ،
مواصلا
العبورالى بلاد الاخرين ، على بصيص من الضوء ،
يشرق احيانا عندما اردد اسمكِ .
اسمك ايتها الحرية .
اسمكِ الأعظم ..
الوحيد
الذي اعرفه ، من بين الاف الاسماء التي يعرفها عنك اخرون ،
اكل احشائهم البرابرة ُ :
ماتوا وهم يرددونك ، هناك ، في ظلام الأقبية ،
أو في حفلات الشواء ، في الغابات ، حيث يتم التهام اجسادهم ،
تحت ضوء القمر :
هذا القمر الذي انظر اليه ، عبر النافذة ، متذكرا كل شيء ،
حتى تلك القصص الساقطة من كتاب الف منفى ومنفى ،
الذي لم يكتبه احد ،
الا أنني قرأته كثيرا ، من دون ان أتصفحه مرة .
هكذا اجتزتُ المحنة :
مشيتُ
على خطوط الحظ ، الذي فارقني من دون تلويحة وداع ،
متـّبعا خطة لااعرف مـَن رسمها في ذهني المشوّش ،
لأن كل ذلك حدث ، قبل ان يبتكرالانسان الكتابة .
حدث ذلك كله، وأنا غارق في مياه النسيان ،
اتنقل عبر أنابيبها ،
واتساقط من فوّهات الحنفيات ، قطرة بعد اخرى ،
في علب صفيح ينقلها آخرون على ظهورهم ،
ربما لرش الدمع على جدران حياتهم ،
أو لشطف الألم ،
غير أنهم لايصلون بها الا وقد اضحتْ فارغة تماما ،
لأنها كانت مثقوبة عمدا .
فلا اصل ، اخيرا ، الا الى هذه الزنزانة الكبيرة التي يقولون انها الحياة ،
ملتقيا باصحاب ماتوا قبل الاف السنوات ،
ثم قرروا العودة ،
عندما سمعوا ان جنة ما ، في طريقها الى التجلي ، في بلاد السواد ،
حيث الفرات ، مثلما دجلة ، كان قد كف عن الفيضان ،
رحمة بنا من قلبه النبيل ، فقد نسي الناس السباحة ،
كما أن القيعان لم تعد تستوعب اي غريق اضافي .
ربما
هناك فقط تذكرتُ أحلك ساعاتي واصعبها ،
فثمة صديق سـُجنت معه طويلا في حقل السيكوتين ،
تطوّع ، في لحظة ، ظلـّت ملتبسة حتى الآن عليه ،
ليتكلم عني امام محكمة لم تعقد بعد ،
معترفا امام البرابرة :
انني ، ذات صدق، سقطتُ من هول نحول الروح ،
فوقعتُ في غرام الدهشة .
لكن
في زمان ومكان ، لاتأخذ فيه الدهشة زينتها المذهلة ،
الا اذا كانت مصحوبة بهيام مراهق ، صار عمري عليه كبيرا .
لم يعرف احد شيئا عن ذلك .
لم يعرف حتى الحب ان هيامي لم يعد صالحا لشيء ،
سوى ان يكون هياما لاغير ، احتفظ به لنفسي ضد نفسي ،
منذ أن مات ذاك المهرّب ، على طريقة البغال .
لم يعرف حتى الموت ،
منذ تلك الساعة النادرة المرور في حياة المرء ،
انني فقدت رغبتي بالموت على سرير ناعم ،
فلم يعد لأي شجرة مكانا في حديقتي ،الا لهذا القمر
الذي
ترسمه القضبان بفرشاتها ، عبر نافذتي ،
فأغني اغنية وصلتني ، عبر الماضي ، عن الحرية .
اردد اسمها الوحيد الاعظم ، من بين الاف الاسماء التي يعرفها الآخرون .
انها المغامرة الاخيرة ،
التي تقيـّدني الى الأرض ، وتؤهلني لأن أكون عاشقا غير متناه ،
على قيد العاصفة ، وفي قلبها .
او
هو التوق لأن ابقى ابدا حامل أسرار،
يبحث عن احد ما يواصل ، من بعده ، الرحلة ،
قبل ان أتوارى ، ذاهبا الى حلمي الخاص ،
الذي لم يـُكتب بعد في كتاب الف منفى ومنفى .
لكن
من المفاجيء جدا ، أن مــَن اعترف علي بدون رحمة ،
حتى انه حرّر رسائل بخط يده ، تثبت جريمتي تلك ،
كان من المرشحين لمواصلة الرحلة من بعدي .
ربما ،
نتيجة ذلك ، عشتُ طويلا ، اهتف مع هذا ضد ذاك ،
وأيضا اهتف مع ذاك ضد هذا ،
شاعرا بالذنب من كل جرائمي التي لم ارتكبها :
أبكي كل يوم لأن الله خلقني على شاكلته ،
وتركني وحيدا ، اعيش مع مَـن هم ليسوا على شاكلتي ،
مجبرا على أن اقبل بالعقوبة ، وبالتاريخ
الذي
وصل مكتوبا على جلود ضحايا ،
لم ينتحروا للأسف ، كصاحبي المهرب ، في وديان
كان البرابرة يحفرونها ، برمشة من خناجرهم ، بكل بساطة .
ربما
من اجل ذلك ، خرّبتُ حياة المرأة التي آوتني ،
عندما اعدتُ كتابة مذكرات العالم على حلمتيها ،
دمعة بعد اخرى ،
حتى صاحت بي ، ذات صباح :
لقد امتلأت براكيني بأحزانك ، ولابد من وضع السدود ،
كما اني انطفأت ، فلم اعد مانعة الصواعق ،
تلك
التي تلتهب وتشتعل على السرير ، كلما مر برق ،
أو سقطت شرارة ، من عين رجل ، في صحن شهوتي .
هكذا غادرتها ، خلسة ، في فجر بارد جدا ،
حاملا، طوال جسدي،
اخر شهقة فاض بها ينبوعها، الذي فقد خصوبته ،
فلم يعد يفيض الا ببعض التنهدات الزائفة ،
بعد أن اصدرتُ الحكم فيما يخص الآخر ، في نفس الفجر ،
وأنا اسبح في النهر المار بين نهديها :
ساعاقبك ، ايها البربري ، ايها الأجرب القلب .
ساعاقبك، انما على شاكلتي ، كما خلقني الله : بالكتابة .
قصيدة بعد قصيدة ،
أو
جملة تجر ورائها رواة من الشوارع الخلفية ،
لم يخطروا يوما في خيالك ،
يتلون مالم يكتبه احد في كتاب الف منفى ومنفى ،
ناقلين جـَمال مارأيتُ ، بكل اطيانه ، الى القاريء ،
تاركين لك حقلا واسعا من النسيان ، كقبر .
مـَن يفهمك ، الآن ، أيها الفؤاد ،
الذي يسد عليّ طريق رد الفعل ؟
تتلقى كل شتيمة ، بصمت :
هل وضعتَ خلاصَـك في غير مكانه المناسب ؟
ومَـن يسمعك الآن ، وسط انهيار العمارة ، بجميع ساكنيها ،
فيما البراكين مشغولة بتبادل فوّهاتها ،
كما كنا ، في الطفولة ، نتبادل الطوابع ؟
وأنتَ ، ايها العبد العظيم فنجان :
كم كنتَ أبيض أكثر مما ينبغي ،
عندما درتَ كالدرويش بين الافاعي ؟
كم كنتَ بارعا في غبائك ،
وانتَ تمسح الغبار عن كتف مـَن لايود العيش،
الا فوق تل قمامته ؟
الان ،
رغم هذا اسمع خفق خطوات قادمة : طبول وخيول ،
لجرجرتك ِ نحو حفل حرائق اخرى ، حضرتـُها قبل أن تبدأ.
أنتِ التي لااعرف من اسمائها الالف الا اسما واحدا ،
اردده ساعة الخطر .
رغم ذلك ، وفوق ذلك كله : اسمع خفق اجراسكِ المترددة ،
وهي تخيط من حسرتها لون قمري الاخضر ،
من خلف القضبان :
أسمع خفق اجراسك ، اميـّزها من بين خطواتهم :
اهم البرابرة ، تتسائلين ؟
انما ... اين ليلهم ؟
لا ليل ، يا قمر ، بدون برابرة .
لا ليل ..
لكن هناك ، دائما ، برابرة بدون ليل ،
وهو ما يجعلني اسمعكِ :
اسمعُ ، اسمعُ جيدا خفق اجراسكِ ، وانتِ تتسائلين :
اهم برابرة فعلا ؟
لكن ..
مثلكِ تخفق اجراسي .
finjan_2002@hotmail.com
|
مواضيع ذات صلة • هزائم • قصائد • غابة النار • أُرَقُّ بحبه فأعيشُ حرّا • وحش الشمال
مواضيع اخرى للكاتب • أغنية من قعر زجاجة • اغنية آخر سركون بولص في العالم • اغنية امشي ضائعا في جمالكِ • عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين " • اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا |