كاتب الموضوع: عبد الكريم كاظم - 06-02-2010
تطابق المعنى الواحد: ذم الثقافي بلسان ثقافي
تعامل الإنسان ـ الفرد ـ مع الحركة الدائمة في الحياة وما تُحدثه من تغيّر كبير أمراً معرفياً، وإذا كانت المبادرة المعرفية في مراحل سحيقة من تاريخ الإنسان الفرد على سطح الأرض لم تكن من فعله، بل من فعل الطبيعة وبدائية تكيّفه معها حيث بدأ منفصلاً أكثر مما هو متصل، فإنه غيّر المعادلة وأصبح يمسك بزمام المبادرة في أكثر التغيرات درامية في الكون . كان للعقل فعالية كبيرة في تجنيب البشرية الكثير من الكوارث ودرء بعضها وتحاشي خطرها والخلاص من تأليهها، لكنه صنع آلهة غيرها وأصبحت كوارثها بديلاً لكوارث الطبيعة التي عرف كيف يتحاشى بعضها، أبرزها الكوارث الثقافية ـ أسماء وصحف وإعلام ومؤسسات سلطوية ـ التي كان كل منها يفضي إلى الآخر وكان حلم الخلاص يدغدغ أحلام المثقف ولا يزال، لكنه سرعان ما اكتشف أن ما آل إليه المصير الثقافي أمرّ وأدهى ويصبح الخلاص حنيناً أو حلماً مقيماً في المخيلة .
حقاً إننا سذّج إذْ ننساق وراء قناعات ثقافية وسيناريوهات إعلامية استطاع أصحابها أن يقنعوننا بالتحليل العقلاني، لكن سذاجتنا لا تنبع من هنا بل تنبع من معرفتنا أن السيطرة على الحياة الثقافية ومجرياتها لا يأتي بها حلم أو تحليل مهما كان نصيب العقل فيه بل من طبيعة وحركة الاستبداد الثقافي، وهذا شيء عرفناه ولمسناه سابقاً، ومع ذلك يحلو لنا أن نثق بالعقل الثقافي حتى في مجال استشراف المستقبل الذي لا يخضع لقوانين الطبيعة حيث الثقة بالعقل التجريبي تكاد تكون مطلقة .. وتلك هي الكارثة .
أن دلائل القلق الدائم والخوف وفقدان المبادرة هي التي تميز الراهن الثقافي العراقي، ولم يكن بإمكان المثقف العراقي الحائر أن يفعل شيئاً كي لا يقال إنه تراجع بفعل التفسير الملتبس أو القراءة الملتبسة للمعنى، هذا من جهة ومن جهة ثانية كي تبقى كتاباته منسقة مع خطوات السياسة الثقافية الراهنة المتوازية مع روح المجاملة .
البعض، من المثقفين، استسلم فوراً لليأس، رأى أن تاريخاً مريراً من الوقوع في العهد الثقافي القديم، كما نسميه، قد بدأ، فبدأ يدرس أشكال تأقلمه وتواصله مع هذا العهد . بعض آخر رفض الواقع الثقافي (الجديد) الذي قام ولكنه لم ير بوضوح كيف يواجه المصير، لم ييأس، ربما، ولكنه لم يضع خطة معرفية للخروج من هذا الواقع الجديد المرير فكان أقرب إلى حالة اليأس منه إلى المقاومة . البعض الثالث كان يرى، وسط العتمة والفوضى، الماضي والحاضر والمستقبل، لم يكن ليقبل، بالمطلق، فكرة اليأس والاستسلام ولا حتى فكرة البقاء في حالة من الذهول والانتظار ـ على طريقة غودو ـ كان يرى بوضوح وبضمير أنه لا بد من قرار حاسم، على مستوى الكتابة أو الموقف الأخلاقي، يحدد خط الكتابة ويحدد هدف المعنى، ويحدد أشكال التواصل والبدء بتسديد المعنى باتجاه الالتباس دون تأخير أو تردد، حتى ولو بدا وكأنه يقوم بحركة "دونكيشوتية" في عكس التيار أو أنه يحمل الصخرة مع "سيزيف" أو يسير في شوارع بغداد حاملاً مصباح "ديوجين" كما كان يفعل القديس "أوغسطين" في شوارع أثينا هذا الموقف لم تكن المغامرة في اتخاذه سهلة، ولكنه اتخذ في الوقت الضروري .. في اللحظة التاريخية الحرجة أو في لحظة التنقيب عن الموقف الأخلاقي الغائب . أنه، إذن، تطور نوعي في مضمون المواجهة وقوتها المعنوية التي لا تستند إلى التجربة المتراكمة وحسب بل كذلك إلى رؤية موضوعية باتت تفرض هذا التوجه ـ القرار أخلاقياً وثقافياً بحيث تنفي صفة المغامرة، الظاهرية فيه للوهلة الأولى، بمقدار ما يجسّد هذه الرؤية الموضوعية أخلاقياً، تجسيداً لمضمون الاحتلال، إذ كان في تقدير الاحتلال أنه لا بد من قيام ثقافة من نوع جديد، ثقافة خاضعة تابعة تتهيأ الظروف في العراق لقيامها، ولكن مجالها يتجاوز الثقافة إلى كل مفاصل المجتمع .
جاء الاحتلال وذهب النظام السلطوي، انتهى عهد السلطة الفردية، أغلق القمع أبوابه، سلّم المعارضون أحزابهم وطوائفهم وأتباعهم وإدلاءهم إلى المحتل واستلموا (السلطة) . ظهر قمع جديد وضمائر ميتة وجيش هلامي ودموي في آن واحد يحمل أسماء الأنبياء والأئمة، أعيد عصر السلطة الفردية من جديد، تفرق العراق إلى أقاليم، انقسمت الثقافة إلى تابعة ومقاومة .. توفيقية وخائفة، ذلك كله حدث تباعاً بعد التاسع من نيسان .
حقائق الخراب والموت والفوضى ليست عابرة، بل ردود فعل عنيفة على إدارة المحتل وحماقاته التي لا تقتل العراقي وحسب بل تلغيه . الموت الصارخ، ليس هو الموت الذي تحدده منظمة ما في يوم ما، بل هو "الموت" كل يوم يفتح العراقي عينيه في عراق يعمه الظلام، إنه موت له رمية نادرة في أرض الواقع، وليس مجرد حالة طبيعية .
الأخلاق: هذه كلمة يصعب أن تُقال أو توصف في ظروف الواقع الخرافي الذي نعايشه الآن . في غياب الأخلاق تغيب المسؤولية الثقافية وتبطل بالتالي المعرفة . كل كلمة في لغة الكتابة تنطق جامدة غائمة في غياب الأخلاق، كل تعاليم البداهة أو السليقة تفسر نفسها عشوائياً في نظام فوضوي موجه ضد التنوير من قبل مؤسسات ثقافية مريبة يلتقي فيها المتلون مع العقائدي . كل خلاف ثقافي وقع بين طوائف ثقافتنا هو خلاف حول الجاه والنفوذ والمال والثأر وليس حول المعرفة، فالمعرفة هنا منفصلة عن الثقافة والرغبة في التسويق الذاتي أو التسلق متصلة مع النوايا المتقاطعة مع الثقافة، أن الطوائف الثقافية وغير الثقافية التي احتواها المحتل لا يمكن احتواؤها عراقياً في أي صيغة بديلة، ومن المحتم ـ وهذا ما حدث ـ أن تتصل وتتواصل أو تصبح مصدراً جديداً للعنف .
في ضوء هذا الواقع غابت الأخلاق غياباً نهائياً عن ثقافتنا العراقية الراهنة، حتى أصبح مجرد ذكرها فكرة لا تليق بروح العصر، فليس ثمة ثقافة خالصة في العراق، ولاستعادة هذه الثقافة نحتاج إلى ثورة معرفية تواجه منطق ثقافة الاحتلال وفلسفة المثقف الراقص طرباً بين صحف المحتل ومؤسسات فخري كريم .
إن الثقافة العراقية الراهنة لا تصلح للتعبير عن حقيقة سوى حقيقة تمجيد الاحتلال وتشويه من يحاول انتقاده أو مقاومته بالكلمة . هذه الثقافة مرتبطة بحرفية ثقافة الصوت الواحد وتتكلم بذات اللغة، وكل لغة مغايرة مضادة يتورط قائلها ـ كاتبها أو يتهم بالنعوت التالية: بعثي .. إرهابي .. تكفيري .
المثقف المقاوم بالكلمة الناصعة له قضية واحدة ولغة مختلفة، قد تختلف المعاني ويختلف تفسير المتلقي للغته، لكن مهمته دائماً هي أن لا يعترف بشرعية الإعلام الرسمي ولا الثقافية المؤسساتية، ولا يكف عن النقد المعرفي وعن السخرية بمثقفي الاحتلال وقضاته وفقهائه وأحزابه ومنظماته (الإنسانية) ودعاته وشيوخه وساسته المأجورين .
كيف يمكن لكلمة مقاومة ثقافية نقدية معرفية أن تصل إلى وعي المتلقي، فقد كان من شأنها أن تصل إلى وعي المتلقي وتعري أمامه الانحراف الثقافي والأخلاقي لمثقفي الاحتلال، هذه الكلمة ليست دموية ولا تتماهى مع القتلة، إنها كلمة تخاطب الضمير والعقل في محاولة شرسة لتجاوز حيلة التفسير اللغوي المخادع وإيصال مفهوم الطغيان والإقصاء والعنف الثقافي المتجدد إلى وعي المتلقي المسالم، من هذا الباب اللغوي نقول: بوسع تلك الكلمة أن تفضح تحالفات الثقافي المناور والديني المغلق والعقائدي بثوب الليبرالي والتقدمي القديم العائد بقوة مع المحتل .
لقد تم الإستسلام لهذا التفسير الملتبس، إذ لا مناص من بقاء بوابة الأفكار الحرّة مغلقة، وبهذا سيستفيق المثقف العراقي على حقيقة صارخة وفجّة، هي قدرة ثقافة الاستبداد على تجاوز عنق القارورة، مرة جديدة، وخسارة المثقفين في هذا العراق لحلمهم الثقافي الدافئ ولرهانهم على المستقبل .
إن الكتابة عن الحلم والمستقبل أو الثقافة التنويرية مجرد هذر أو ما فوق الهذر، حيث لا يمكن أن توجد ثقافة خالصة في ظل الاحتلال ومؤسساته الاستبدادية .
عبد الكريم كاظم |