سلفادور دالي
الرئيسية     شعر     مسرح     موسيقى     سرد     نقد     نصوص مترجمة     كتّاب الموقع     الارشيف     اتصل بنا

كاتب الموضوع: عبد الكريم كاظم - 23-01-2010

قصيدة النثر: مغامرة التأسيس وسلطة الإقصاء


 


لقد آن الأوان كي نُعطي الكلمة والفضاء للشعراء


جوليان بلين


1


ثقافة الأمر بالقديم


أختلف النقاد والشعراء على حد سواء حول قصيدة النثر شأن العديد من القضايا الأدبية، الفنية، الفكرية واللغوية الحديثة منها والقديمة وقد أنتقل هذا الاختلاف إلى اللغة النقدية التي حاولت إيجاد معادل معرفي حديث لقصيدة النثر يتجاوز البيان النثري الذي روجته التحالفات الثقافية وحولته إلى قفص فكري للجم النص الجديد وتعطيل المغايرة القادمة وتقييدهما، وهكذا صارت المراهنة والاختلاف من بين القضايا الأكثر تعقيداً خصوصاً ونحن نعيد التأمل بعبارة الفيلسوف "هايدغر" التي تطرح علينا مزيداً من التساؤلات المتعلقة بمستقبل قصيدة النثر وعلاقتها بأزمتي الشعر والشعراء حيث يقول: (أن المحافظة على الذاكرة هي التأمل بالنسيان) إن الإجابة الجدية الرصينة عن بعض التساؤلات من خلال هذه العبارة تستلزم أولاً تبديد وتفكيك الوهم القائم على أسس وثنية حان الوقت لهدمها أو تجاوزها والتأمل في نسيانها .


هل ستتخلى قصيدة النثر عن شرطها الفني ـ الجمالي؟


إلى أين وصل أو سيصل المسار بها؟


مرة أخرى سيخسر شعراء قصيدة النثر فرصتهم الشعرية الجديدة المتجددة للخروج من المأزق وهم ينامون على مرتكزات الأنظمة البابوية القديمة بنفس الوجوه والأسماء، كم كانت قصيدة النثر العربية متجاوزة للسياق أو للمناخ الخليلي؟ لكن، مرة أخرى نعود على بدء، بدء يعود إلى نفس الأسماء والوجوه! كمحاولة لتحويل قصيدة النثر إلى قصيدة مفزعة يحتكرها الكلاسيكيون الجدد، فكل شيء استحضر نموذجه ـ نماذجه القديم/ة في سياق من المثلية الشعرية الجديدة داخل الكرنفال الرسمي المتشكل من أجهزة الأنظمة الشعرية المحملة بالروائح الإيديولوجية العقائدية، فلماذا يصر ـ بعض ـ الآخرون على تحويل قصيدة النثر إلى نظام إيديولوجي تاركين معنى الكتابة الشعرية المتشكلة من داخل المعرفة وخارجها وأعني هنا بالتجربة بوصفها الفضاء اللامحدود الذي تشكل المعرفة مساره الفريد؟ هذا منهج لا يختلف قديماً وحديثاً حين تتحكم بنا ثانية ثقافة النخبة المسيطرة .. ثقافة التكتلات أو ثقافة الأمر بالقديم والنهي عن الجديد التي تمنح الألقاب والجوائز والأوهام جزافاً وتنتزعها متى تشاء ما يعيد سيطرة الأشكال القديمة التي تعادي أي تجاوز أو صوت شعري جديد خارج من البرية وكأنها تريد لنا أن نعيد صورة الأب الصارم عبر خيال أوديبي مشوه يسقط على الجديد المتجاوز، وهو كثير، أمثولة (بابا الشعر) على غرار (بابا الفاتيكان) وبهذا تتحول قصيدة النثر إلى ما يشبه السلطة الأبوية أو المؤسسة القانونية الكهنوتية والتي تريد بدورها أن توقف الشاعر الراكض في العراء بتهمة فساد الذوق العام الشعري النثري .


قصيدة النثر تفرق بين الشاعر النادر الذي يكتب قصيدته الساحرة والشاعر المرصوف التقريري الذي يكتب قصيدته الخارجة من سرير العلاقة الشعرية الخائنة وكأن الشاعر والقصيدة قد دخلا غرفة الشاعر الآخر ولعبا بأوتار كلماته المرتعشة فأي مصير تعس ينتظر القصيدة، أن من يدعي امتلاك قصيدة النثر بكل تفاصيلها وإشكالياتها، وكأنها طابو ثقافي خاص، عليه أولاً أن يتغرب عن ذاته مجدداً ليستطيع الخروج منها كي لا يبقى قابعاً في نقطة المستحيل، هذا هو المفصل المعرفي الجديد المتجدد الذي يتطلب منا النظر إليه بمعرفة نقدية رصينة بعيدة عن التكتلات أو الاحتكارات الثقافية .


2


منظومة النخب


الشاعر الساحر يعيد صورة الأشياء وأشكال الكتابة وكأنه وحش كاسر يلتهم المفردات وينقض على المعنى حتى لو داهمته سلطة الأب .. قصيدة النثر لا تليق إلا به، هل تكفي هذه الإشارات لكي يشار إلى اعتراف هذه النخبة بهذا الشاعر أو ذاك؟ يبدو أن النظرة القديمة لم تتغير فهذه النظرة، أيضاً، قد أورثت شرعيتها ببيان النظام النثري القديم الصارم وهو يفرق بين شاعر وآخر مثلما يميز بين نص وآخر، هذه هي حصيلة الإقصاء الشعري الجديد، فالأمر جارٍ على تلك السليقة التي باتت بمثابة المحراب الذي ستنتحر عليه قصيدة النثر الخارجة من رحم التجارب الجديدة عبر وعي عميق بماهية الإنسان ومفهوم التطور التاريخي .


الشاعر النادر سيجد نفسه غريباً بين الموالين بعضهم لبعض، ذاك لأن الولاء ـ وللأسف ـ قد أصبح السمة الأخطر في قصيدة النثر وهو بمثابة اعتداء ضمني صريح على قصيدة النثر الأخرى تلك المتجاوزة والمتماهية مع الجمال .


لا مناهج جديدة للقصيدة القادمة لأنها ستبتلع كل مفاهيم الولاء والاحتكار والتكتل ومنظومته القسرية التي تمارس الاستغفال الدعائي والإعلامي وبهذا ستتسامى على كل التقاليد البالية المغلقة، فثمة مغامرات نثرية يقوم بها ثلة، وهو كثر، من الشعراء الساحرين الهاربين خارج المنظومة .. الأسماء كثيرة أيضاً، لكن خطاب الولاء ومنظومة النخب تحرم الشاعر من الطواف المعرفي وتسحله بحبال اللغة، قد يخطئ الشاعر، الخارجي الساحر الهارب، بالإملاء، ربما، لكنه لا يخطئ بالشعر أو المعنى الشعري، لنلعن منظومة سيبويه ثانية ولندفن صرامة البيان في ذهن الشاعر المتجدد . هذا هو الانحياز المطلق والشيطاني للقصيدة الراكضة في العراء والشاعر الخارج من البرية، علينا أن لا ننشغل بحروب غبراء الخليل وداحس النثر، فالمعضلة تكمن في جمعية المحاربين القدامى لقصيدة النثر وكأنهم أوصياء وأولياء بالفطرة .


علينا أيضاً أن نخرج اللغة الشعرية الجديدة لقصيدة النثر من منظومة الولي الفقيه الشعري حتى لا تفقد نضارتها المتجددة، إنها الاوركسترا القادمة، لا ريب في ذلك، فقد مضى عهد البيانات الشعرية، عهد التشويش والاستغفال والنرجسية، قصيدة النثر الجديدة المتجددة أثبتت، لا على مستوى المفاضلة وحسب بل على مستوى التفوق، جدارتها وديمومتها المتحركة، كما أن عصر (الشاعر النجم) أو (الشاعر الكبير) ولى هو الآخر إلى ما غير رجعة، الشاعر النجم/الكبير الذي تمكن من اختطاف قصيدة النثر بنجوميته المصطنعة حتى توالت عمليات التعرية المعرفية الحديثة وحتى لا نعلق صورته على غرار صور الزعماء والأئمة والملوك .. الشاعر: شاعر وكفى، إنه يحلق كالريشة ويمقت أن يزحف كالقوقعة، هذه هي لحظة التجلي القصوى التي يتماهى فيها مع الحياة والجمال والطبيعة مُتسامياً بذلك على لحظة الموت أو العقائد السوداء .


3


المعنى العميق


هل هناك أعجوبة جديدة؟ أعتقد أن لقصيدة الشاعر الهارب إلى الحرية .. إلى المعرفة والموسيقى والجمال والمغايرة والاختلاف ما يجعلنا أمام حقيقة صارخة مفادها: أن قصيدة النثر القادمة هي المرجع الجديد والفضاء المفتوح على الحقائق المطمورة تحت ركام الفوضى، إنه النص الشعري الذي حلمنا به أو الذي سنلوذ به وهذا ما لا يقبل الوصاية ولا سلطة الأب .


ثمة أسماء ساطعة وأخرى قادمة في هذا لأفق الملتهب بنيران قصيدة النثر ستأخذ على عاتقها مهمة السعي الحثيث والبحث والتجريب في هذا المنحى التجديدي المشع والفضاءات المفتوحة وثمة أسماء ترهلت تريد أن تزهق قصيدة النثر بتنظيراتها المعادة المستهلكة، ترى .. هل قصيدة النثر في طريقها للانتحار على يد هذه الأسماء؟ كلا الجوابين جائز، نعم ولا، وذلك استنتاجا من الحشو التنظيري الذي يتكئ على النقل والتناص، وهذان المنحيان يؤكدان غياب الاستحقاق المعرفي في فضاء الكلاسيكية المتجذرة أو العالقة في ذيول فرسان الحداثة الذين لا يتحدثون عن التجارب الشعرية الموهوبة بالتساوي، وأعني بالتساوي النقدي المعرفي لا الشخصي الأخواني، وبهذا سيتخبط الشعر ثانية مما سيفقده حميميته وجماليته .


ثمة أسماء لامعة لها بصماتها وصولاتها النثرية المعروفة وهذا ما لا يمكن إنكاره، وهم معروفون، هؤلاء كتبوا بطريقة تخاطب الحواس والعواطف إضافة إلى مخاطبتهم العقل، أغلبهم كان يعتمد في نصوصه، بالدرجة الأولى على المعرفة ومن ثم إبراز الأشياء العميقة المؤثرة في المعنى ناهيك عن لغته وطريقة بنائها الشعرية ففي عمق النص هناك فكرة أخرى موازية لها تبحث عن المعنى الشعري المؤثر الموجود داخل الجملة/العبارة الشعرية تجعله في دوامة لا متناهية وكأنه يعيش حالة سحرية صوفية تقوم على طقس المعنى ويتجلى من خلالها الجمال المنتقل من الوضع العقلاني إلى حالة من السكر، فقد أشارت (سوزان برنار) في أطروحتها الموسومة "قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا هذا" (إلى محاولة التأثير الشعري ص19) .


4


قصيدة التتر


مؤتمر بيروت لقصيدة النثر أو (التتر) بتعبير الشاعر أسعد الجبوري، وانتهاء بمؤتمر مدينة قفصة جنوب العاصمة التونسية، هذه المؤتمرات السابقة واللاحقة أرادت لقصيدة النثر (القطرية) بقصد أو بدونه أن تختزل وتبتلع قصيدة النثر إلى الحد الذي أثار حفيظة بعض الشعراء المعروفين إلى الرد أو التعليق عما قيل في هذا المؤتمر أو ذاك ومنهم أسماء شعرية معروفة لها بصماتها النثرية المغايرة، وهذه الأسماء لم تأت إلى الشعر مصادفة حتى قبل وصولها إلى بيروت وخروجها فيما بعد إلى المنافي .


التحالفات القائمة ستكون لاحقاً ودائماً ضد قصيدة النثر، كل شيء واضح ولا يسع الناقد أو المتابع إلا أن يتصور مخاطر هذه التحالفات ونتائجها على حياتنا الثقافية حيث ترسخت هنا وهناك بذكاء وخداع كبيرين، فبدلاً من أن نطلق العنان لقصيدة النثر وجعلها محلقة في فضاء لا متناهٍ، تقوم هذه التحالفات النخبوية من سحب البساط من تحت الشعراء الهاربين إلى الهواء الطلق، وسوف تكون حصيلة هذه الممارسات خسارة المزيد من الشعر .


الغريب أن السجال الدائر حول قصيدة النثر ـ بعيداً عن الأحقية والأسبقية ـ يسفر عن غرابة مماثلة لا تثير إلا الدهشة أن تعرفنا عليها بعيداً عن القدسية، هذه الغرابة دوّنها (فرسان قصيدة النثر كما قيل ويقال) كشاهد على طمس معالم البدائل المنتشرة على خارطة الشعر العربي كما لو أن هؤلاء الفرسان هم حماة قصيدة النثر وحدهم وبلا منازع، وهنا سيتكرر مشهد الولاء الذي يفضي إلى إقصاء الشاعر مرة أخرى عن قصد وسبق متعمدين، كل المؤكدات تكرس إمكان تعطيل الرؤية الجديدة فكل شيء واضح كما أسلفت بحيث لا نحتاج لكلمات وظنون لتفسير شكل الولاء، أخشى أن نُصاب بتلف شعري مزمن وعليه لا بد من خلق تصور جديد لتلك الآليات التي تحول دون صيرورة التلف كي نتعامل مع هذه الخطورة عبر مفاهيم حديثة توقف مستقبل قصيدة النثر من حدود الموت ومواقع اللاوعي القادمين من هناك وهنالك بوجوه وأسماء نعرفها .


لقد آن الأوان لإدخال هؤلاء إلى غرفة العناية الشعرية النثرية الفائقة للمعاينة النقدية والفحص السيميائي، وفي كل الأحوال لن يخرجوا بحلم نثري جديد، ذاك لئن محاولاتهم القادمة تتخذ بعداً شعرياً فلكلورياً بحتاً وخصوصاً حين بدأت تعصف بهم وبمحاولاتهم رياح التجديد والتجريب والمغايرة العاصفة وهي تبعثر بياناتهم وترجماتهم الإيهامية، وها هي قصيدة النثر الجديدة بفرسانها وصعاليكها الجميلين قادمة إليكم حيث لا ينفع بعد الآن بيان أو تأويل أو تنظير قديم، ثمة متغيرات عدة حدثت في العقد الأخير من القرن العشرين وأوائل القرن الحالي زلزلت جميع الصور العالقة في أذهاننا منذ الخطوات ـ البيانات التأسيسية الأولى لقصيدة النثر العربية وتبعاً لذلك ظهرت أشكال جديدة وغير ثابتة للكتابة، بمعنى أن الشاعر أصبح يسبح بفضاء لا حدود له من الأخيلة والصور والانفعالات .


سيتضاحك النثريون الجدد بفضيلة الخلاص من ربقة الأب الصارم والشاعر النجم والمحاباة أو التحالفات الضيقة المغلقة، ثمة نصوص شعرية تشبه الفطائس وأخرى كالأيائل الشبقة، هناك حقائق جمة يبدأ منها الشاعر المتجدد .. الديانات، النهايات، الحب، الكراهية، الصدق، الحياة والموت، الخلق، العالم وتعقيداته، النظريات العلمية، وسائل التطور، الأسئلة الكونية المعقدة وأشياء أخرى لا حصر لها، إنه يعلن عما يفكر فيه شعرياً دون مواربة، يشكك في كل شيء دون أن يقول ذلك بطريقة خطابية أو عقائدية، لا يرتكن إلى القناعات والثوابت البدائية لأنه لا يستطيع استخدام رؤاه الفكرية وصوره الذهنية لأنهما النقطتان الوحيدان اللتان لا تخضعان إلى قانون التابو البدهي .


هكذا ستحافظ قصيدة النثر عن شرطها الفني والجمالي والإنساني، وهكذا سيستمر المسار فيما سلطة الكهنوت مشغولة بالإعداد للهجوم المعاكس الذي سيقنعها فيما بعد بالانسحاب من السجال حتى لو اضطرت، على مضض، إلى ذلك .


من هذه الزاوية قد لا يستسيغ البعض هذا القول: لا يجوز قطف النصوص النثرية الناضجة وهضمها، لأن المشكلة في الفكر القديم معقدة، ولأن تلك النصوص عسيرة الهضم على غير أهلها، ولهذا فإن نقل المفاهيم الشعرية الجديدة المعّبرة عن تجربة معينة يؤدي إلى حدوث التباسات حقيقية وخصوصاً في الرؤوس (النقدية) العقائدية .


 


عبد الكريم كاظم

مواضيع ذات صلة
• لقاء مع الشاعر اللبناني عباس بيضون .. حاوره من بيروت
• قراءةٌ في رواية (تنمو إيادٍ لفينوس) لكاتبها علي غدير
• الكتابة الإلكترونية
• القطيعة النقدية
• إبن بابل في برلين

مواضيع اخرى للكاتب
• الكتابة الإلكترونية
• المدينة التي أكلت يدها اليمنى
• القطيعة النقدية
• تطابق المعنى الواحد: ذم الثقافي بلسان ثقافي
• في معنى الكتابة