موت الكتابة
تلك ليست مقاربة لغوية على غرار ما أعلنه الناقد الفرنسي رولان بارت في تحركاته البنيوية ، ففي حين يحتول القارئ لديه إلى منتج للنص ومشترك فعال في إعادة تشكيلاته ، ينتقل القارئ ، وفق رؤيتي ، إلى عنصر نشط في انتخاب الكتابة المضادة أو الحث العقلي ، بصياغته اللغوية بالطبع ، منتق عنوانات براقة أو عدوانية تحمل من الاستفزاز ما يكفي لتلويث بقايا الطِيبة الادبية التي نوفر اعتقادنا بامتلاكها إلى وقت الفوضى .
أهذا هو وقت الفوضى ؟ إن ما نسميه نقدا ، أو نعقتد اننا نمارسه كظاهرة صحية ، لا يعدو كونه تمجيدا لحسنا الحقدي على مصلحة النقدي ، وقفزاتنا المثقوبة باتجاه ما نعده تمييزا أو تقييما لحالات نعاني منها ، حتى تصبح في احايين كثيرة تسقيطا شرها يحمل حاسة النحلة التي لا تميز بين الوردة السامة من الرحيق العبق .
ان الوظيفة النقدية للغة ، والتي يمثلها سيلٌ عارمٌ من المقالات ، لا أشك أنّ بلدا في العالم فيه كتابٌ ومحللون وناشطون لغويا ولو على سبيل الاشتراك والمساهمة مثلما العراق ، ويتثمل بغيبوبة البحث عن لذة هائلة لدى البعض حين يرى اسمه معلقا في كل الدواليب ، تلك هي متعة الاشتراك في الكتابة المخجلة الحالية ( أجد نفسي ملوثا بالعار فيما لو لوثت قلمي فيه ) حتى لو كانت العملية الجماعية هي مسعى للموت او الحرب ، وهي مهملة بشكل كم هائل من مزابل الحروف لأنها لا تمتلك البتة شيئا من الوهج الفلسفي التحليلي تلك التي على تعبير عارم للفيلسوف كانط ( توقظ الفيلسوف من سباته الدوغمائي ) .
في مقابل واقع الحال هذا سيكون على الانسان ان يختار حس البداوة ليتعامل مع تفسيرات لما يراه من مرارة ، ويتجه بذلك إلى حساسية خاصة تحيل ، فيما تحيل إليه ، إلى خشونة ترتد إلى وعورة الحياة وخشونة القادم وجدب الارض حيث نفقت دوابنا قبلنا على انها اقوى منا جسديا ، ولكن ، يا لصبرنا وطمعنا بهكذا حياة، ولست هنا ناقدا نمط عيش بل هو لون يصبغ سلوكنا تجاه الآخر بالقساوة والتصحر ، فلا نعود قادرين على رؤية الأخرين إلا بعدستين بتموجات من الحقد والكراهية وشيئا والحب والبكاء .
( فيا ايها الشجعان المحيطون بي ، ايها الشذاذ المكتشفون يا من تقتحمه مجاهل البحار مستسلمين للشراع الغدّار وانتم تسرون بالمعميات والالغاز ، عبروا رؤى المنفرد وحلوا ما رأى من معميات وقد كمن فيها ماكان وما سيكون . أي هذه الرموز يدل على مافات ، وأيها يدل على ما هو آت ؟ ) هكذا تكلم زرادشت .
تاركا كل الأسماء التي في طريقي على طريقة البنيويين المتهمين بالتلصص على الذهنيات استطيع القول ان الكتابة التي يمارسها أغلبنا فقدت قوت اشتعالها ، واحتوت قارءها وجعلت منه مسيرا بشكل مسبق باحثا عن مصيدة هنا ، أو فضيحة هناك ، ضاربا عرض الحائط بكشكوله الاخباري ليحصد مع مواسم التحديث قلقلا وايمانا جديدا ، وهو ليس معنيا البتة بذلك بقدر انشغالاته بوجود اسمه في لوائح الخير أو الشر ، ومع هذا الغم اللذيذ وما يحتفره كل مساء يحول صاحبه الى سلبي حتى بالتعامل مع آماله ، في حين تصير احتفالاتنا بما ندعوه ، عقلا قادرا على التمييز ، محضية من محضيات الرمل المتحرك وكثبانه ، فلا تستقر لنا قدم ، ويلهو بأعصابنا الأخرون الذين يمشون في جنازة اللغة نحو مدفن صلابتنا ولا ترددنا وشجاعة قلوبنا .
فهل ان اللغة التي نقرأها كل يوم ، والتي تملأ وصور اصحابها ، واجهات المحال الألكترونية تمتلك حتى ذرة من شرف متعة القراءة المهدورة ؟ أليس من حق القارئ ان تشكل لديه القراءة هاجسا محوريا يعيش لحظاته فيه بترف ؟ أم اننا صرنا أسرى لما أسماه فرويد قابلية التكيف الثقافي بحيث تصبح مجموع حوافزنا بالكامل واقعة تحت تأثير الانانية والشبقية .
إنني اعلن هنا موت الكتابة بنسجها المقالي ، أو ما يعتقد البعض أنه نمط قريب ، وهو لا يتجاوز في كل الأحوال فتح ملف والتعليق او الرد أو النقل او النسج خارج كل ما عرفناه وتعلمناه من بلاغة اللفظة وقدرتها على الأقناع ومتانتها ، تلك ايضا من مصائب استسهال التكنلوجيا وكسل القلم.
إنني من خلال هذا الموت أستطيع القول أن أبسط اشتراطات المعرفة اللغوية وآلياتها لا يمتلكها ثلثا كتاب المقالات ، وهي بلا أدنى شك معادلة يقابها ثلثان آخران من القراء ، المسؤولون منهم على وجه التحديد ، اولئك الباحثون عن أسمائهم في عناوين القدح والمدح ، والرعب الكامن وراء افتتاح أبواب المحال الالكترونية ، وثمة تَـقاتلٌ من نوع أخر باتجاه تزيين الذات وتحسين وطنيتها بالأجابة على تلك الخواطر ، المقالات ، شكاوى المواطنين ، حتى تحولت بعض الصحف إلى واجهات تمارس دور العرضحالجي في مكان ودور المسؤول الذي لا هم له إلا حل مشاكل الناس في مكان اخر ، ولو انه وفر جزءا من حساسيته الدعائية ، ومن حساسية الخوف من تلك الكتابة الميتة إلى خدمة أخرى لرؤي منه العجبُ ، ولاختفى ذلك الألق السريع المرصود على صفحة الانترنيت ، حيث يقول البعض ( الحمد لله لم يتطرق الى اسمنا أحدٌ اليوم ، العيار الذي لا يصيب يدوش قالها المصريون ).
ترى هل لو أن تلك الشكاوي حملها صاحبها ووقف على باب المسؤول سيفتح له الباب ، أم أن الخوف من رذالة وفضائحية وقبح الكتابة هو المحرك والمهيج لبقايا الضمير .
ماتت الكتابة ، وصارت أصناما منحوتة تعبد على عجل .
لا أظن أننا نقرأ كثيرا الآن ، إننا نستمتع بالبحث عن الفضائح والمستور لا غير ، أننا نمارس عن لا وعي لعبة احضار الارواح ، وتملّكنا الرعبُ القادم من وهج الكلمات وفضح المستور ، حتى لو تطلب الأمر ان نكّون من بنات افكارنا الموجهة فضائح نصنعها من لفائف الجرحى والموتى كي نشعل حريقا بشخص كتب عليه ، ولسبب ما ، أن يكون المحقود عليه هذا المساء .
بمثل هذه الانثيالات المضادة لمثالية نيتشة وانسانه السوبرمان أشيع ، أمام مسامعي ، الكتابة بالطريقة العراقية تلك .