كاتب الموضوع: صلاح حسن السيلاوي - 18-02-2008
من اصابعه تتقاطر المسرات والاوجاع
صلاح حسن السيلاوي
في الخامس والعشرين من اذار عام 2005 تحدث الكاتب سمير عطا الله في زاويته اليومية المعنونة (مئوية بولو ، ثعلب أو ضبع ) على الصفحة الاخيرة من جريدة الشرق الاوسط ، عن تأثير الفيلسوف والروائي الفرنسي جان بول سارتر على جملة من الكتاب العرب ، فعدد أسماءهم ثم قال :(وكان الروائي الراحل فؤاد التكرلي من الذين اخذوا بأعماله) .
ويذكر الصحفي السوري ابراهيم حاج عبدي انه حين قرأ هذا الخبر اتصل هاتفيا بالتكرلي الذي كان معه قبل ساعات من قراءة الخبر فعلق الاخير بلطفه المعهود وبعض التهكم هذه المرة قائلا : ( لعل معلومات سمير عطا الله قديمة وبالية ) .
هذا هو حال المثقف العربي فبينما منجزه وسيرته زاد للصحافة اليومية ، وقوت للكلمات الساطعة تلك التي تتقافز بين الافواه البليغة وملاعق الذهب ، ينكسر مرات عديدة تحت سماء الواقع السياسي والاجتماعي ، فيركن عن شمس الظهور منكبا على توليد معانيه من جوهر الغياب ، غيابه المفروض بقوة الواقع المتردي ، وحضوره بقوة ابداعه في ذاكرة التاريخ ، في الذاكرة فقط ولا يصل المثقف العربي الى المتن الثقافي المضارع الا فيما ندر .
ان الهامش الذي احتل مركز الحياة وازاحه عن المجتمع العراقي والعربي ، ادمن الى حد ما عادة طرد المثقفين خارج حدود اوطانهم ، او جعلها سجونا مكهربة بالافكار الضيقة والمتواطئة مع الواقع بكل مساوئه احيانا .
بماذا يحدث المرء ذاته البصيرة وهو يقرأ عن نفسه ومن كاتب معروف وفي جريدة مشهورة بانه قد رحل ، ان ذلك يعني وبكل بساطة عقم الصحافة العربية الثقافية ، ازاء الثقافة التي ربما لم تستطع ان تبلور صحافة ثقافية معبرة عن خصوبتها وقدرتها على الخلق .
على الرغم مما احاط التكرلي من شهرة واهتمام اعلامي ، عاش في هامش ضيق مما يستحقه برفقة زوجته القاصة التونسية رشيدة التركي ، فاستطاع وعلى مدى اكثر من خمسة عقود ان يغرس بصيرته في مدلهمات الواقع العراقي ، مستقرئا المسكوت عنه والمسكوت عليه والمسكوت له بين شوائب الخطاب الاجتماعي وانكساراته ازاء الضغوطات السياسية ، صانعا له اسما لامعا في سماء الادب الروائي العراقي والعربي ولم يقتصر على ذلك ، فكتب القصة القصيرة والنص المسرحي والمقال ولقيت اعماله صدى طيبا وواضحا .
يمكن ان يكون منجز التكرلي الذي كان قاضيا في العراق حتى اواسط الثمانينات التي غادر بعدها بسنين الى تونس وثيقة فنية للواقع العراقي بمختلفاته ، حيث استطاع من خلال اعماله تأطير عراقية الحياة في ذاكرة جعلها متحفا ، لا يتسرب خارجها الزمن بخصوصياته بل يكثف وجوده المعنوي داخل الامكنة العراقية وهي مليئة باجراس المعاني التي لطالما حركتها الازمات العراقية.
ها قد عاد الروائي فؤاد التكرلي الى الارض او الى السماء ، لا فرق ، محملا بالاسرار والروايات الكبيرة ، محملا بالحب والنور والحكايات التي تقطر دمعا واسرارا ، عله يرويها ، عاد فترك وثيقة فنية تؤرخ للزمن العراقي بكل هزائمه وانكساراته وموته وولاداته، عاد وهو من ابرز الأسماء الروائية في المشهد الثقافي العربي ، عاد ويُسمع له ( الرجع البعيد ) ، عاد ومن اصابعه تتقاطر ( المسرات والاوجاع ) وقد ملك ( خاتم الرمل ) ولم يترك ( بصقة في وجه الحياة ) لانه يحبها ولانه ادرك بعد سبعين قناعا من السنين (الوجه الآخر ) لها .
alseelawi@yahoo.com |