كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 15-02-2008
أغنية من قعر زجاجة
عبد العظيم فنجان
" ها أني مع تفاحة ، وهذا يكفي "
جان دمو
" اغنية عن الكتابة من الخلف "
كان قلبي يضع مركز ثقله في شهرزاد ، وكانت شهرزاد نائمة في التفاحة ، لولا نيوتن .
كان العالم ، في ذلك المقطع من اغنية الخليقة ، أكبر من التفاحة قليلا ، لولا قراصنة البحر .
كان ممكنا ، ان نمد خيط المخيلة ، فننتقل الى السكن في التفاحة ، لولا دارون .
كانت شهرزاد ، كل ليلة ، تخدع شهريار ، وتسرق تفاحة من بستان خيالها ، وكنتُ آخذ قضمتي من خدها ، فيما تاخذ قضمتها من التفاحة ، ونندهشُ من هذه الصورة الشعرية الفاتنة ، لولا أن شهريار صار ناقدا .
كان ممكنا أكثر من التفاحة ، لولا أعين الحكومات التي تحرس المطابع .
وحين سمعتُ الكذبة المستحيلة : أن القمرَ هو حفنة أحجار ، وليس زجاجة على هيئة مصباح بيد النجوم ، هجرتُ العالم ، ولجأتُ الى السَحَرة في كتاب الف ليلة وليلة ، فعوّذوني بالخيال : شقّوا قلبي ، وزرعوا فيه التفاحة ، ثم خيّروني بين أن أعصر خمرا أو أشربه ، فاخترتُ أن اسكنَ مع شهرزاد في قعر زجاجة ، أتنقل بين العبيد والازقة ، من غلام الى جارية ، ومن ملك الى صعلوك : أملكُ الحضارات ، ولا تملكني ، اعبيء خرافتي المصابة بالترحال ، وببشاشة النوم على المصاطب ، احتفظ بها داخل قناني ، اعبُّ خمرتها ، ثم أنقلُ النورَ ، الذي يقدحُ كالشرارة في داخلي ، الى قناني اخرى : أختمها بعَضّة قوية من القلب ، كماركة مسجلة ، لكن حزني كان قويا جدا ، ومنفاي أعمق من قعر الزجاجة ، ذلك مما كان يعرضها للانفجار ، ساعتها أنحنى باكيا ، لأجمع أحشائي من بين الشظايا ، قبل أن تُداس بأحذية المؤرخين ، اما شهرزاد فقد صارت تفاحة ذابلة تغني ، على مائدة شهريار ، وهي تشير إليّ في غيابة القعر :
كانت للزجاجة حياة ساحرة ، مثله
كان لها كيان متألق ، مثله
كانت لها رحلات ، مثله
وخذلانات ، مثله
غير أنه
كان يتوق الى الشجاعة لأن ينفجر بحزنه ، على الحائط ، مثلها .
كان ..
وها أني أطفو ، مثل قنينة زجاجية ، فوق مياه التاريخ ، في جوفي آهاتٌ بشرية وضحكات . تقودني الأحلامُ من بحر الى آخر ، لكن لمّا لم يعد هناك صياد يرنو الى الشاطيء ، منتظرا ظهور الحوريات بقلب أخضر القلب ، شربتُ الزجاجة . أعرف أنني تماهيتُ في ذلك ، لكنها الرغبة في ان استخلصَ معناي من بين لجّة العصور : كان دليلي في الرحلة هو الرحلة ذاتها ، حتى رأيتُ أن الزجاجة لم تعد هي الزجاجة ، وانا نفسي أضحيتُ كائنا خرافيا ، كشهريار في الحكاية ، ينحدر اصله من اللازجاجة والزجاجة ، لكن الفرق هو أنني أفتقد الى الصلابة الداخلية ، فأنا كالطيف ، ممّا يعرضني للانتهاك ، لذلك أبقيتُ حياتي بعيدة عن التداول : هكذا تحصنت ُ بوحدة الناسك ، وقلعة المهاجر عن نفسه ، لأن ما يحصل في الخارج يفتقد الى الحرارة . آه ، لقد هربتْ الشاعرية ُ، وشاختْ الصبايا الجميلات في القصائد .
اعرفُ أنني تماهيتُ في العوم تحت سقف الخيال ، غير أني هناك أرضعُ حليبا خالصا ، كامل الاشراق ، يحولني الى سفينة أقودُ البحرَ حسب طقس الغيوم في سماء خواطري ، لكنني احيانا امطرُ دون مناسبة ، وأهطلُ غزيرا بلا استئذان : هكذا هو الشِعر ، فأمطاري سرعان ما تُغرق السفينة ، ورغم أن هذا يحصل حتى للسحَرة في الف ليلة وليلة ، إلا أن بعض الصبيان يتعاملون مع الامر بعقلية المؤامرة ، فينددون باخلاقي وسيرتي ، وبعضهم يقول متعاطفا : إن الخمر كانت مغشوشة . ذلك أنهم لا ينتمون الى عالم الكتابة من الخلف : لا تفاحة في القلب ، لا اغنية مشعة في الداخل ، لا جرعات من الأمل واليأس تحبكُ خرافة العبور الى الابدية ، و لا رغبة لهم في الاقامة : الاقامة مع شهرزاد ، في الفراغ المريع ، البارد ، والمدمر ، في جوف زجاجة .
Finjan_2002@hotmail.com |