كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 11-11-2007
اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا
عبد العظيم فنجان
الى سركون بولص صاحب المخيلة الاعظم في ابتكاره الفذ :
" الى ربة الظروف العارية سدوري ، من مسافر "
والى حسين علي يونس من وحي روايته الهائلة : " فن تعذيب الحثالة " .
" ليس للفنان الذي يضع نفسه على المحك من شقيق"
صاموئيل بيكيت
كانت درجة حرارة اليأسِ قد تجاوزتْ الغليان ، في ضواحي أحلامي ، فتبخّرتْ جميعها ، كشَعبٍ من الغبار والنسيان ، وأنا سكران ومفلس ، واضعا رأسي بين أقدامي ، و ادحرجه أمامي مثل كرة معطوبة : مشيتُ طويلا في الشوارع ، الى أن قـررتُ أن أستريحَ ، فاتخذتُ منه مقعدا ، وجلستُ فوقه ، في حانة سدوري ، حيث يجلس الحشـّاشون ، والسائرون في نومهم ، على جرعات ، فوق مصائرهم :
كنتُ اريد أن أعرفََ ماذا يغنّي المفتاحُ أمام حزمة أبواب ، لأنكِ صرخة في طريقي لابدَّ أن أثـبَ خارجها دون أن اُوقظَ أحدا ، فأنتِ أخف من أن تكوني قـفلا ، وأنا أبعد من أن أكون بُعدا. كنتُ بحاجة الى روحي الطليقة ، التي تسطع فيها شمسُ الشك ، ويرفرفُ داخلها القـلـقُ ، لأنكِ ماكنتِ لتعرفي معنى أن تكوني ملاذا ، وأنَّ سكرانا ومفلسا يصحـو وينام متخيلا أنكِ امرأة . كنتُ أحتاج الجنون كي افكر بطريقة أفضل لأنكِ تجذبين الجرحى الى ينابيعكِ ، وتبنين من شقوق شفاههم مشاحيفَ من العطش . كنتُ بحاجة الى امرأة اجترحها من بطون الاساطير، فأنتِ أوحش من أن تكوني صحراء ، وأعمق من أن تصيري طعنة ، فكل مـَن أحبكِ تحوّلَ الى حصاة ، وكل حصاة تنتظر أن ترمينها على محبّـكِ التالي .
آه ،
كنتُ بحاجة الى مَن يُزيح عني ثــقـلَ العالم ، الذي اكتشفتُ أنه يشاركني الجلوسَ فوق رأسي ، في الحانة ، فيما سدوري تعرض مفاتنها : " لكَ وحدكَ ، هذا السرير الناصع من اللحم ، هذا الرخام المغسول برذاذ النشوة ، هذه التلول من بَرادة الشبق ، لكَ وحدكَ .." .
تخبرني أنني الوحيد ، السهم المسموم الذي اخترق حُجب قلبها . تغويني بفـك النحس ، وبالنوم على وسادة مـن مفاتـح الممالك . تساومني كعاهرة ضاجعتْ عصورا من الرجال ، ولم تبلغ كفايتها قط ، لكنها الآن ، بفراستها ، تبدو واثقة أنَّ في شراييني ، أنا السكران والمفلس ، تسبح النطفة المختارة ، التي تجسـّم لجسدها المبحر في النار خارطة الذروة .
كانت الطرق متشعبة ، كحلقات من الدخان ، تتحرك في كل اتجاه ، حسب مسقط رأس الألـم ،
وحسب أمطار الخذلان الذي تذرفها غيمة الخسارة . كـذاكرة جلجامش مخمـور لطـّخ اسوار بلاده بدم العبيد ، وبالدموع ، ثم اكتشف الخدعة ، فعاد محمولا على أكتاف قتلاه ، بعـد قــرون من الحانات ، باحثا عن ..
- سدوري ، أين قامرتُ بحياتي ، من أجل عشبة الخلود ؟ في أية حانة ؟
- لماذا لم أربحها ، أو أخسرها ؟
- لقد أتلفتُ موارد اوروك على المرتزقة من الشعراء ، الذين تجندينهم ، ولم أقبض شيئا .
يصرخ بوجه سيدوري ، وهو يخضّها مثل شجرة تعرف ، لوحدها ، كيف كان يفكر ابليس عندما أغرى الملاكين بأكل التفاحة :
- لقد أخذتُ بنصيحتكِ ، وأنتدبتُ مليون ناقدٍ للكتابة عن ملحمتي ، أيتها العاهرة ، لكن .. .
فنهضتُ .
كنتُ في قطار يهدر بكآبة ، بعد أن نفدتْ فيه البيرة ، وجفَّ السُكرُ في عروق سكته الحديدية ، مما اضطرني الى مغادرته قفزا من نافذة الخيال ، مجردا من اوراقي ، حقائبي ، وعكازي : زاحفا على ركبتيَّ ، عثرة بعد عثرة ، حتى وصلتُ المجهولَ ، ولامسَ حدسي الغامضَ منه ، حيث وجدتُ آتونابشتم يُشعل أعشابا ، ويستنشق دخانها منتشيا : يراقص الافعى ، و يغنّي اغنية " عندما كنتُ سكرانا ومفلسا " فشاركته الغناء ، بعد أن استعدتُ مزاجي الذي جاءني محلقا بريش النثر ، فيما أنا أهبـطُ بهـدوء ، نبضة بعد نبضة ، نحو القعـر الاعمق من هذه الاغنية ، ممسكا بحبل مصيري ، الذي نسجته مـن عثـرات الطريق ، تاركا العالم ، في الخارج ، يمشي مترنحا على الارصفة الموحلة ، وهـو يدحرج كرة ما بين قدميه ، ربما هي رأسي ، رأسكِ ، رأسه ، أو رأسكَ : أيها المجد الذي تقرّحتْ على جِـلدكَ الروحُ ، أيها الأجرب ، يا عدوي البائس ، أيها المصيدة .
شاعر عراقي مقيم في الجحيم
|