سلفادور دالي
الرئيسية     شعر     مسرح     موسيقى     سرد     نقد     نصوص مترجمة     كتّاب الموقع     الارشيف     اتصل بنا

كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 30-09-2007

 



من الشوارع الخلفية لمدينة الناصرية


عبد العظيم فنجان


 


كل قتيل وأنتم بخير



وصلتني رسالة مدهشة ، لكن ساخرة ، من الصديق الشاعر اسامة العقيلي ، صاحب الموقع العراقي " عراق الكلمة " وهو موقع لابد لي من زيارته ، كلما سنحت فرصة ، لأنه حرص على أن يكون مساحة للبديع والساحر أولا ، ولانه – هذا الاهم – حرص على ان يحافظ على اشراقته بدقة ، دون أن يخلف موعدا او إعلانا ، ثانيا .



رسالة اسامة تخبرني انني مقتول ، كما سمع ، او ربما ميت ، وان هناك مَن يرثيني من اصدقائي الشيوعيين . كان رد فعلي ان اخبرتُ صديقتي الجنوبية الروح ، وصديقي باسم فرات ، متسائلا  إن كنتُ قد متُ فعلا ، فالعادة التي يقوم بها الناس ، في مثل حالتي ، وهي تحسس اجسادهم للتأكد من بقائهم على قيد الحياة ، لم تخطر لي ، لسبب يعود الى تلك المساحة الشاعرية الساخرة ، لكن الحزينة ، التي ورثتها من " عادل كمال " الذي  اختفى ، وألبسني قناعه ، لأموت بدلا عنه هذه المرة ، لكن لماذا ؟


 بالمناسبة كثيرون يتمنون ذلك ، ويقضون ليالي شهر رمضان بالدعاء الى جورج بوش كي يلبي لهم ويقضي لهم حاجتهم هذه ، فقد استبدلوا " حب الوطن من الايمان " بـ " حب امريكا  اعلى مراتب الايمان " .



عذرا لهذه الشقشقة ، ولنعد الى الموضوع الاصل ، وهو مساحة عادل كمال ، وعلاقة ذلك بموتي السعيد ، لكن قبل ذلك أود أن اقول : هناك الكثير الكثير من القراء الاوفياء يكتبون متسائلين : اين عادل كمال ؟ ولا اعرف كيف ارد ، ولأنني صادق في تلعثمي لم أكتب الى احد ، فأنا نفسي لا اعرف الى أين فرّ هذا العاشق الخائب ، المفلس ، لكن المرح ، النزق ، المتهور ، والشجاع : ربما ضاع أو ربما هو الان وزير ثقافة هارب من وجه العدالة ، او هو أسير احدى فرق الموت .


 


آخر مرة صادفته فيها كان يفكر بكتابة تقرير على غرار تقرير كروكر ، وليس على غرار تقرير برودوي ، لكنه سقط بالضربة القاضية مع ثالث علبة بيرة هندية ، ومن يومها لم أعد أراه الا في احلامي ، متأبطا حياته وراكضا بها بين فكي الجحيم ، لكن مَن يدري قد يعمل الان معارضا في البرلمان أو مشغولا في تشكيل تكتل جديد يجمع فيه اصدقائه الهامشيين ويدخل الانتخابات القادمة تحت شعار : " يا خائبي العالم اتحدوا " ، من يدري ، فنحن في بلد حاشوش !!


 


مَن هو حاشوش ؟!


إنه سائق اجرة بين السماوة والناصرية ، اشتهر بكونه ساهما ومشغول البال ، للحد الذي صار فيه مثالا للتندر والنكتة :


مرة ، وصل راكب مستعجل وكانت سيارة حاشوش ممتلئة – مقبطة – وعلى وشك الحركة ، لكن هذا الواحد أصرعلى أن يصعد ، لأنه مضطر للسفر حالا ، فلم يكن ثمة مكان له الا في .. الجنطة !!


هكذا انطلقت السيارة من السماوة الى الناصرية ، لكن حاشوش سهم عن الراكب ونسيه في " الجنطة "عندما وصل الى اخر محطة ، بل هو ركن سيارته بانتظار دوره في رحلة العودة الى السماوة ، فيما الراكب المسكين يتقلى في مكانه ، حتى امتلأت السيارة مرة اخرى ، وفي الطريق شعر الركاب بضربات قوية من الخلف ، فسألوا بعضهم : إن كان ثمة حيوان – خروف مثلا – في الجنطة ، وهناك فقط توقف حاشوش ، لينظر ما الامر .


يبدو ان الراكب هذا كان من جنس حاشوش ، ولهذا عندما رفع الغطاء بادره فورا بسؤال بريء : ها عمي ، وصلنه لو بعد ؟!


 


البعض من اصحابي يخترع له حكاية غاية في الجمال . يقول : إن حاشوش قبل ان يمرق بسيارته تحت أي جسر يصادفه ، يطلق صرخة تحذير نحوالركاب المسطولين مثله : " دنكـَوا عبرية .. " أي : اخفضوا رؤوسكم لئلا يقطعها الجسر ، وهو تحذير يصدق على حالتي ، عندما كنت ماشيا مع ولي العهـد : حسين الصعلوك ، في ساحة الميدان ، ذات يوم ، فصاح بي فجـأة  : " دنكـَ راسك " أي : اخفضه ، مشيرا الى قناص يطل على الميدان من أحد نوافذ بيوت منطقة الفضل . 


فاتني  ان اذكر ان الاسم الحقيقي لحاشوش قد ضاع ونسيه الناس ، لأن صاحبه له شطحات لاتقل جمالا عن شطحات الحشاشين والسائرين في نومهم ، مما جعل منه اسطورة في المسطول والمغلوب على امره .


هذه الاسطورة تتضمن حكايات لاتمل ، هي من تاليف الناس طبعا ، كما في هذه الحكاية :


مرة صار عند حاشوش باص ، على نفس الطريق ، وحدث أن صعد احد الجنود معه ، لكن هذا الجندي كان طالعا براسه من النافذة حين مرت شاحنة مسرعة فقطعته دون ان يشعر حاشوش : هكذا حتى وصل الى نقطة السيطرة العسكرية ، وصعد أحد رجال الأمن ليفتش السيارة ، فالدنيا حرب ، وهناك عثر على الجندي مقطوع الراس على كرسيه ، فصاح بحاشوش : هاي شنو حاشوش ؟


ولم يبد على حاشوش انه  قد غلب على امره إذ أجاب ببديهية عجيبة : " آني ياهو مالتي .. هوّه صعد هيجي " : يقصد ان الجندي اصلا صعد بدون راس .



هل اصبحت العلاقة واضحة بين موتي وحاشوش ؟!


حسنا


العراق تحول الى بلد باع فيه حاشوش سيارته ، وصار لاعبا سياسيا مؤثرا لكن بماركة امريكية محسنة : وانا ورثتُ من عادل كمال دعابته في هكذا كوارث ، فقررت ان امشي وان احب وان اسكر واكتب بدون رأس ، كذلك الجندي الذي صعد السيارة ، موفرا للاخوة الاعداء في العملية السياسية رصاصاتهم ، وسجونهم التحت ارضية ، ولذلك اريد ان اطمئن الجميع ، وعلى راسهم اولاد الخائبات ، بأن كل شيء على مايرام : وكل قتيل وانتم بخير .. 


شاعرعراقي مقيم في الجحيم

مواضيع ذات صلة
• صحفي للبيع .. قصة قصيرة
• رحل ياسين الراوي ولم ترحل ألحانه
• كان نداء هوميريا
• المدينة التي أكلت يدها اليمنى
• تميمة الميعاد.. قصة قصيرة

مواضيع اخرى للكاتب
• أغنية من قعر زجاجة
• اغنية آخر سركون بولص في العالم
• اغنية امشي ضائعا في جمالكِ
• عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين "
• اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا