كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 24-12-2005
مثل نشيد صدئت بين أسنانه الحروب
كانت بألف وجه .
كانت تصنع من عواطفها معولا ، لهدم الوقت ، وهي تكتب رسائل حب الى اي كائن قد يخطر ببالها : تحب ان تلعب هذه اللعبة ، منذ أن رفس الرجل الذي احبته قلبها ، ولذلك ، رغبة بالانتقام او بالمصالحة ، تكتب من دون توقف ، رسالة تلو اخرى ، حتى تحولت حياتها ، هي الواثقة من زيف ماتكتبه ، الى تل من الرسائل ، تتناقله الالكترونات والنيوترونات ، الى رجال مجهولين ،
لاتعرف اشكالهم ، لكنها تبتكرهم مثل رجلها الذي ينام ، كل ليلة ، مع امرأة ، ويحدثها عن امرأة تكتب رسائل اليه ، عبر اخرين : يشم ّ ذلك بعينيه ، قبل يديه ، فهو يعرف ان كل ماتملكه من قدرة على الانتقام هو هذا : المشي فوق حبل من كلمات لاتعني الا انك مقدسي الفاتن ، الذي سانسف راسه ، يوما ، برصاصة الهدنة .
سأنسف روحكَ بموجة :
تكتب ذلك احيانا لي ،انا الذي صادفتها في مدينة ساحلية ، قلوب اهلها من الصفيح . وقد خطر لي ان اضاجعها ،لأنها كانت نسخة مطابقة لمارلين مونرو ، لكنني احتراما لعملاق ماروسي ، دربتها على ممارسة اخرى ، هي اكثر جدوى من كل تلك الرسائل : العوم في حوض ذاكرتي ، وتدخين الترياق ، فامتثلتْ مدة طويلة لذلك .
احببتها ببساطة شديدة ، ولم افكر ان اخونها الا في ليلة واحدة ، عندما ركبت باخرة ، باحثا عن وجه اطارده منذ بداية التاريخ ، فصادفتها - ياللمفاجأة - عارية ، وقد اتخذ منها الملاح زورقا ، تاركا لي حرية قيادة الباخرة ، كأي قرصان عاد بغنيمة لايريد ان يشاركه فيها احد . في تلك اللحظة اكتشفت معنى ان يكون لي جسدا ، ان يكون في داخله قلبا ، أن أكون مجروحا حتى بعد ان أشفى ، وان أكون خاسرا الى الأخير .
لم اطردها من الغرفة ، تاركا لها حرية ان تنام مع من تشاء ، شريطة ان لا تعوم عارية في حوض ذاكرتي . هكذا مع الأيام كوّنتْ اسطورتها: كل رجل عرفتـْـه ، كل وجه رأتـْه ، أو تخيـّلتـْه ، هناك رسالة منها تحت وسادته . وفي كل وجه تتركه امام المرايا ، كانت هناك تلك النظرة ، التي لاتدل الا على كونها امرأة : امرأة وحيدة في الكون ، منذ حواء ، مع الشعور بأنها سيدة الخليقة ، لمجرد انها انثى . لمجرد انها قادرة على اغلاق الباب، في اي لحظة ، كأي سجان انتهى من حفلة تعذيب اولية ، تاركا لضحيته فرصة ان يتهيأ لحفلة اخرى ، قد تكون تحت سياط شبقها المراق بين دفاتر الشعر، او في موسوعات الأرق المفتوحة لمعذَّبين جدد ، ترغمهم على السماع الى فحيح جسدها اللانهائي ، الممتد من بحر قزوين حتى استوكهولم ، مثيرا ، وهو يمر عبر شبكة الانترنيت ، غبارا بلوريا أبيض ، يجمعه الشبقون مثل غيمة ، تمطرها حواجبها او تصبها في راحة ايديهم :
اغنية حزينة تركها قتيلها السابق ، قبل ان يموت مخلصا لحبها .
هكذا ايضا كنتُ ضحيتها ، فيما بقيتْ ، حتى بعد أن نفد الترياق ، تعتقد انها كانت ضحيتي .
كانت تسد الجهات ، فأصيح بها : الا الجهات ، ارجوكِ .. فأنا في العراء . لكنها تأمر باسم المفاتيح ، وتفعل باسم الاقفال : " أجلدكَ لأنكَ السوط ، أخنقكَ لأنك الهواء ، ادفعك َ لأنكَ الهاوية .. "
وكنتُ اهتف بها : كفى ، فأنا كالنهر ، أمام السد ، يجب أن أفيض .
أيام كانت لها اليد كانت تضع قلبي مع النسر ، وأسفل القفص تجمع صراخه .
أيام كانت لها الاشارة كانت تأمر اصابعي بالشرود .
الآن .. تهبط ذكراها مع الليل ، ويندلق وجهها في غرفتي ،
مثل نشيد صدأت بين اسنانه الحروب ..
finjan_2002@hotmail.com
من مخطوطة " مراسم تشييع شبح "
93- 1997
|
مواضيع ذات صلة • هزائم • قصائد • غابة النار • أُرَقُّ بحبه فأعيشُ حرّا • وحش الشمال
مواضيع اخرى للكاتب • أغنية من قعر زجاجة • اغنية آخر سركون بولص في العالم • اغنية امشي ضائعا في جمالكِ • عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين " • اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا |