كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 17-12-2006
كمشة فراشات من الف ليلة وليلة
اغنية حب بغدادية
" ردّيلي الفرح .. رديتْ "
جنح اغنيدة - مظفر النواب
كانت لكِ القـدرة على رمي أحـضانكِ لإستقبال قـفـزتي ،
لكـنني كنتُ الكرة الطائشة :
لا أعـرف الا الارتطام بالنوافذ .
كان ذلك يكسرني ،
وكـنتِ دائما تجمعين شظاياي ،
كأن نصيبي من الشقـاوة هو نصيبكِ من الحب.
كأن ذلك شدّا من الشَعر بين مجرّتين من الضفائر،
أو عراكا بين دقات الساعات
التي توّجتنا طقسا من مطرالركض خلف عربات الغيوم .
فيما مضى
كـنا نخـتبيء من الفيض في جِـرارالشطوط :
كانت أصوات المصابيح تزفنا الى البيت ،
مثل موكب من الطرق ،
و كان الليل يحبكُ ، داخـل رأسينا ، سلالا نقية من الشمس .
لا أعرف كيف غـرقنا في الظلام بعـد ذلك ،
لكنني كلما حاولتُ فكَّ أزرار قـميص الزمان ،
كي تثبي خارجا ، من بين أضلاعه ،
الى صحن هذه الاغنية ،
أراكِ ترتطمين بالنوافذ ،
كما الكرة الطائشة التي كنتـُها ،
كأن نصيبكِ مـن الانكـسارهو نصيبي مـن الحب ،
كأن مراسم غـرامنا لا تزدهر إلا بشدّ الشَعر بين المجرات ،
كأن ..
آه ،
أحـدهم أزاح المصابيح ، فـتـحرّك الليلُ من مكـانه :
هـناك شيخـوخة ترسم تجاعـيدَها في جـرار الشطوط ،
وهناك سرب مـن الجراد يقضم أطرافَ الناي ،
الذي كنا نعزف السنابلَ بين ثقوبه .
كمشة فراشات
طـوّقـنا الأزهارَ بالحديقة ،
ربطـنا الحـديقة الى البيت ،
ثم
ربطـنا البيت الى الارض جيـدا.
احتياطا :
من أجل أن تغـوص جدرانه عمـيـقـا ،
استخدمـنا مـطرقة عـملاقة ،
وكـما كان يفعل أسلافنا البدائيون
رسمنا ، في الممرات ، ديناصورات تشبه المدافع ،
ثيراناً قرونها حادة كالحراب ،
وخنازير تركب الطائرات :
من أجل دفع الشر لم ننسَ أن نملأ الفوانيس بالبخور،
وأن نرشَّ التعاويذ والادعية على المداخل .
أثناء ذلك ،
ومن ذاكرتنا الشاسعة الحروب ، استعرنا مجارفَ ومعاولَ :
حفرنا خنادق مـن الدمع ،
وشيّـدنا سياجا من الخوف ،
لمـنع الغزاة من الوصول .
قيل لنا : اقفلوا الأبواب بإحكام ،
لئلا تتسـرب الظلمة ، فهي دليلهم ،
فبعثنا بمَن يشتري مسامير لتثبيت النورعلى الحيطان ،
لكنه لم يجد غيرصور الغزاة أنفسهم ،
فأشعلنا فيها النار،
لأن الشتاء كان يتجول ، في الغرف ،
مما جعل الأثاث يرتجف من شدة البرد :
ذلك مما أجبرَ الكراسي ، الأغطية ، الملابس ، وأسرة النوم
على تغيير أماكنها
لتتجول ، هي الاخرى ، من غرفة الى غرفة ،
حتى فقدَ البيتُ مغزاه ، فانفجر غاضبا :
- لماذا تعبثون ببدني ؟
انقلوا حربكم الى مكان آخر،
ودعوني أعيش في بيتي الخاص .
كـنا قـد ربطـنا السقوف بسلاسـل طـويلة تنتهي بالسماء ،
أما النوافـذ فـقـد أغلقناها تماما ،
عدا بعض الثقـوب الصغيرة ،
لئلا نختنق بالحـسرات :
كـانت ليلة مـن العمـر،
تسمـّرنا فـي نهايتها الى شـاشـة التلفاز
وصافـحنا المذيع شاكرين ،
فكـل شيء على مـايرام - كما قال - ولم يعـد ثمة غزاة ،
لكننا كـنا متعبين جدا ، فلم نفتح النوافذ لنتأكد من الجيران :
لم نرفـع السياج ، لم نوقف الدمع ،
لم نتناوب على الحراسة ،
ونمنا بهدوء ،
واثقين من أن الاحلام ستجد رؤوسنا في مكانها هذه الليلة ،
فنرى في المنام ، بـدلا عن الأشبـاح ، سربـا من الفراشـات ،
لأننا لـم نخذل الجَمال رغم الرعب ،
فقد طوّقنا الأزهار بالحديقة ،
وربطنا الحديقـة الى البيت .
في الصباح ، عندما استيقظنا ، لم تكن ثمة أزهار أو حديقة ،
ولا أثر للبيت :
وجدنا أنفسنا ممددين في العراء ،
ومن حولنا ترفرف كمشة فراشات :
تدخل بيضاء من ثقـوب في أجسادنا ،
ثم
تخرج حمراء من ثقوب اخرى ..
معزوفة الخطر
الخطرُ في كل مكان لكنَّ الأمكنة لا تعبأ.
ربما لأنَّ الخطر لم يكن طرفا في وجودها،
لذلك كم تمنيتُ أن أكون مكانا ،
لأنجو من ثقل وجودي في خطر دائم ،
وقـد تحقـّق لي ذلك مرة حين صرتُ شجرة باسقة ،
لكن ما حصل بعد ذلك كان يبعث على القلق حقا ،
لأنني لم أجد لي غـرفة في الشجرة ،
من شـدّة الزحـام ،
فالعـصافـيـر، الريـح ، العاصفـة ، وأشـياء اخـرى ،
كانت قد نقلتْ ثيابها ، عـاداتها ، مـخيلتها ، ونواحهـا ،
وبنتْ ملاجـئها بين الاوراق ، على الاغصان ،
وحفرتْ عميقا ،
ثم
تشعـّبـتْ مع نهايات جـذوري ،
لأنَّ الخطركان قد اشتد أكـثـر،
حتى أنه لم يعـد في كل مكان فقط ،
بل
تعـدى الى اللامكان :
ففي الأحلام خطر ،
في الحب خطر ،
في الشِعـر خطر،
في ..
لم يكن ثمة مَخرَج من هذا المأزق :
لا يمكن أن أترك عزلتي مجروحة على هذا النحو ،
كما لا يمكن أن أطرد ضيوفي ،
فأنا أولا وأخيرا انـسان ، وعلاقـتي بالطبيعة مثالية جدا ،
بـدلـيل أنّ فاكهة ما - تشبه التفاح تقريبا -
بدأتْ تنمو و تظهـر مـن مسَام بشرتي ،
ممّا كان يجذب اليّ لسعات ، عضـّات ،
وسهام غير متوقعة ،
يزرعها الضيوفُ طوالَ جسدي ،
حتى صار شكـلي شبيها بالقنفذ.
بعد تأمل وجدتُ أن الحلَّ
هـو
في مـقابلة الخـطرشخصيا ،
من أجـل عقـد صفـقـة ما بيننا ،
إنما من دون فائدة ، فقـد فـات الاوان ،
إذ لم يعـد يـظهر اطلاقا ، حتى في نشرات الاخبار،
بل تلاشى تماما ،
وحين بحثتُ عنه في سجلات الماضي ، كانوا يضحكون مني :
يسخرون كلما سكرتُ وترنحتُ فـي الشوارع ،
في الأزقة ، أو في الأسواق ،
مناديا :
- إظهرْ أيها الخـَطـَر، أين تواريتَ ، أيها الجبان ؟
طبعـا كان ذلـك في طَـور الشجرة ،
قبل أن أتحول ،
أنا نفسي ،
وأصيرُ خـَطـَرا .
ساحر من الف ليلة وليلة
قال : " إن الليل ، هذه الليلة ، مؤاتيا للمعجزات .. " وهو يـرشُّ ، على صفحة الريح ، كمـشة رمـل فتجلّتْ ، شيئا فشيئا ، امرأة مقمرة ، كتلك التي في الأساطير، وأخذت تركض بين الارواح المنشورة عـلـى المصاطب ، الأرصفة ، وبين الاسلاك الـكهربـائـية المـلتفـة حـول اعناق الساحات ، وورائهـا ثمـة رجل ، كان يعدو بسرعة ، وهو يجر حبلا طويلا ، ربط الى نهايته جثته ، التي مزقـتهـا الكلاب في الأزقة ، ثم غاب الاثنان في كثافة عريهـما ، فـلـم أسمع ، بعد ذلك ، الا صـيحـة البرق ، دون أن أراه ..
قال : " ألم أقل لكَ: إن الليل ،هذه الليلة ، مؤاتيا للمعجزات ؟ " ثم نـفـخ في الاتجاهات ، وهو يـتمـتم بعبارات غامضة ، أضاءت الخطوات بين البعد والمسافة ، فرأيت المرأة والرجل واضحـين ، وهـما يـُشعلان الخرائب بجمر موقدهما ، حتى هبّ نسيم الأمان دافئا ، من مكان ما ، فنزلـتْ الارواح مـن على حبال الغسيل ، باحثة ، في شقوق شيخوخة الجدران ، عن أبـدانـها ، لكـن ذلك كله توقف فجـأة ، عندما زعـق البـرقُ ثانية ، ورأيته واضحا ، يسقـط على الجـسدين الملتحمين ، فيحيلهما ترابا ، فيما بدأت الارواح تصعد ، بحبل من دخان ، عائدة الى أسلاك عزلتها.
الحكاية انتهت ليس كما هو متوقع ، فقد تبدل مزاج الساحر، وفقد قدرته على المشي بين طرفي حبل خرافته ، فلم يعد يفعل شيئا سوى التحديق بالرمل ، والبكاء ، لأنه - كما قال - لم يكن قد خطط لظهور البرق مرة اخرى ، لكنها القنابل والحرب . أخـذ نفسا عميقا من لفافة الحشيشة التي كنتُ قد أشعـلتهـا من أجله ، ثم عانقني بعرفان ، قائلا : " تعال معي ، لأريك ما أنا قادر عليه فعلا " حتى توارينا معا بين طياّت كتاب الف ليلة وليلة ، الذي كنتُ قد استعرتُ صديقي الساحرهذا من احدى حكاياته :
- " يبدو أن الليل ، عندكم ، لم يعد مؤاتيا للمعجزات ، كما قبل " .
ظـلَّ يـردد هذه العـبارة على مسامـعي ، طـوال طريقـنا نحو بغـداد اخـرى ، منسـية ، في قيعـان ذلك الكتاب.
اغنية العودة من أتونابشتم
الى زعيم نصار
تستيقظ فتجد الليلَ ببدلته المرصّعة بالثكنات ،
وبالنجوم التي صدأتْ ، لكثرة ما غسلتها الأشباحُ بماء الأساطير :
ذكرى انفجارات وقعتْ و وجوه كثيرة خذلتكَ ،
كلها تدوّي معا ، فجأة ، في فــراغ الغرفة ،
وأنتَ ترفع وسادتكَ ، كمن يفـتش فـي الصحراء عـن قـارب ،
بحثا عـن عـلبة الدخان ،
فتعثرعـلى الظلام جـافـا ،
راسما على شفتيه علامة استفهام .
تفرك عينيكَ لتتأكد من أن كل شيء على مايرام :
لم تمسْ شظيةٌ ما بـَشَرةَ هذا الرحم الدافـيء الـذي تعيش فيه ،
بـانتظار ولادة مغسولة بحنان امـكَ الغرفة ،
غير أن علامة استفهام ثانية ، تظهر أمامكَ في المرآة ،
وأنتَ تحلْق لحيتـَكَ التى خالطها الشيبُ ،
فتحزن لأن الافعى لا زالت تجدّد ثيابها يوميا هناك :
في القـتـلى ،
الذين تختم المجازرُ ، في بغداد ، جوازاتهم ،
من أجل السفر الى السماء.
كثيرا همتَ على وجهكَ في الكتب ،
باحثا عن خَلاص ،
فأزعجكَ أن جلجامش أضاع عشبة الخلود ،
لأنه كان مـفتونا ، في تلك الساعة ،
بالإصغاء لما كان يقوله أتونابشتم :
- " لوكنتُ مكانه ، لوكنتُ مكانه .. لأمسكتُ الأفعى ، لأجبرتها أن تتقيأ ، لـ .. " .
تصرخ غاضبا من غبارالرعب
الذي صار يتراكم ، يوما بعد آخر، على اسطوانات الموسيقى ،
لكنَّ لفتة منكَ الى نافذة المطبخ ،
حيث الساعة تدق دقتها الكبرى ،
تجبركَ عـلى أن تفـركَ عـينـيـكَ مرة ثانية ،
لتتأكد من أنَّ جلجامش لم يملك أن يفعل شيئا ،
وأنكَ تكررمحنته الآن ،
إذ تغني وحيدا ، فـي طريق العودة :
- ما الذي يحصل ؟
مَن جاء بالليل في هذا الوقت ،
حيث الساعة تدق دقتها السابعة ... صباحا ؟
دروب الخذلان
أتساقطُ من الشرفات كمياه الأمطار،
أو أتصاعد كالبخار،
من ابريق الشاي ،
وبعد عـدة دورات في الطبيعة ، سأتحـول الى نطفـةٍ في رحم ،
لاُولد ثـانـية في نفـس الوقـت
الذي ولدتُ فيه فـي مـرات سـابـقة :
في تلك الساعة التي فيها يضرم شخصٌ ما النارَ في بغداد ،
ويسيل الحِبر والدم فـي مـياه دجلة ،
ثم يبدأ الطوفان : الفيضان ، المطر ، أو الدموع ،
حيث لاسفينة الا قشة الصدفة ،
التي يمد الناس أيديهم اليها ، طلبا للنجاة ، دون جـدوى ،
لكـن
في الاخير لابدّ أن يجدني أحـدهم نائـما عـلى بابه في آخرالزقاق ،
أو ضائعا بين الخرائب ،
فيعتقـدني المخلـّص ،
الذي جاء ذكره في الأساطير .
في المقطع الحالي من دورة حياتي ،
تجدني امرأة طافيا على الماء ،
فتـلتقطني ، كما لوكنتُ سمكة ميتة ،
وهي تعتقد أنـني هـبطتُ مـن السماء على هذا النحو ،
فتحملني بين ذراعيها ، تحت المطر.
في الطريق ، نحو بيتها ، نصادف مسلحين بلحى تـطأ الأرض :
يفـتشون ثـدييها ، يبقرون بطنها ، يخترقون رأسها بمثاقب من حديد ،
وأخيرا
يبحثون بين ساقيها عن شيء غامض ،
وهي مستسلـمة لهم ،
كما لو أنهـا اعـتادت على ذلك ،
ثم
يسمحون لها بالمرور،
بعد أن يدقـقـوا بوجهي ،
ويقارنوه بألبومات كـثـيـرة من الصور:
- " ليس المخلـّص ، دعوها تمر.. "
وهم جالسون على عـلب صفيح ، طافـية فـوق بحر من الجثث .
لم أفهم لِمَ يبـدون لي وكـأنهم أشـباح قادمة من الجحيم ،
فهم لايـشبهـون اولـئك الذين كـانوا في هذا الزقـاق ،
الذي قطعته الاف المرات عـبـر التاريخ ،
ربما
لغـموض مهمتهم ، لأنهم يطـلقـون على بعضهم البعض النار،
حتى وهم نيـّام ، دون أن يموت أحد منهم .
تـبكي المـرأة على مصيري المجهـول ،
وتتمنى لو أنها اتخذتني ابنا ،
بدلا عن أولادها الذين فقدتهم في المـجازر ، الحـروب ، والفـيضانات ،
لكن لأن الحـياة لاتطاق في هذه اللحظة ،
لأن المجاعات ، لأن النفط ، لأن الحرب ، لأن الدولار ..
تصعـد بي الى شرفـة خـيالها الفاتن ، منادية :
- " يا الله ، ارفق بهذا الطفل البريء "
وترميني بكل قوتـها الى فـوق ،
وهـي تـقـفـل عينيها بتضرع وعـرفان ،
مـؤمنة بأنني سأصعد الى السماء ،
بحبل المعجزة ،
أو
على الأقل كالبخار من ابريق الشاي ،
فيما أنا في طريقي الى الاعـلى أو الى الاسفل ،
اواصلُ مصّ أصابعي العشرة ، مغمض العينين :
لقد حفظتُ دروب الخـذلان عـن ظهر قلب ،
ولم يعد بإمكاني أن أكون المخلّـص ،
ولا حتى الباحث عن الخلاص .
اغنية الشظايا
أشياءٌ كثيرة سقطتْ ، بفـعل القـصف ، مـن عـلى الجدار:
نساء عـاريات مـثلا ، تمـزّقتْ صـورهنَّ ،
فالتفتَ النملُ :
تحرّكتْ فرقة منه لتجمع أعضائهن المتناثرة ،
قطعة بعد قطعة :
خصلة شَعر محمولة كما جنازة على الاكتاف ،
ساق بيضاء تهتز،
أجفان ترف مثـل موكب أعشاب ،
و...
هناك
سرّة امرأة تسقط من فم نملة ،
ربما لفرط ثقل جمالها ،
لتسرع نملة اخرى ، وترفعهـا :
الى أين ؟
لكن .. قنبلة ثانية تنفجر فجأة ،
فتسقط ساعة الجدار وتتهشم ،
لـيتحرك قسم آخر من النمل ،
ويـنهمك ، هـذه المرة ، بنقل الوقت ، دقيقة بعد دقيقة ، الى قريته ،
في ثقب ما من بدلة العالم ،
ثم يتوقـف كـل شيء
لأن حُـلمة ثدي مهمَلة ، لم تُرفع بعد ،
يحركها عصـفُ انفجار آخر ،
تغـلـق عـلى قـرية النـمـل بابـها ،
فتنتهي هـذي الاغـنـية ،
التي ستسقط ، هي الاخرى ، من على الجـدار، ذات يوم ، وتتهشـم ،
ليأتي النمـلُ ، وينـقلها، حـرفـا حرفا ، الى قريته الجديدة ،
في ثقــب ما ، من بدلة الكون .
finjan_2002@hotmail.com |