معزوفة الخطر
الخطرُ في كل مكان لكن الأمكنة لا تعبأ. ربما لأنَّ الخطر لم يكن طرفا في وجودها، لذلك كم تمنيتُ أن أكون مكانا ، لأنجو من ثقل وجودي في خطر دائم ، وقد تحقـّق لي ذلك مرة ،حين صرتُ شجرة باسقة ، لكن ما حصل بعد ذلك كان يبعث على القلق حقا ، لأنني لم أجد لي غرفة في الشجرة ، من شـدّة الزحـام ، فالعـصافـيـر، الريـح ، العاصفـة ، وأشـياء اخـرى ، كانت قد نقلتْ ثيابها ، عـاداتها ، مـخيلتها ، ونواحهـا ، وبنتْ ملاجـئها بين الاوراق ، على الاغصان ، وحفرتْ عميقا ، ثم تشعـّبتْ مع نهايت جـذوري ، لأنَّ الخطركان قد اشتد أكثر، حتى أنه لم يعد في كل مكان فقط ، بل تعدى الى اللامكان : ففي الأحلام خطر ، في الحب خطر ، في الشِعـر خطر، في ..
لم يكن ثمة مَخرَج من هذا المأزق: لا يمكن أن أترك عزلتي مجروحة على هذا النحو ، كما لا يمكن أن أطرد ضيوفي ، فأنا أولا وأخيرا انـسان ، وعلاقـتي بالطبيعة مثالية جدا ، بدلـيل أنّ فاكهة ما - تشبه التفاح تقريبا - بدأتْ تنمـو و تظهـر مـن مسام بشرتي ، مما كان يجذب اليّ لسعات ، عضـّات ، وسهام ، غير متوقعة ، يزرعها الضيوف طوال جسدي ، حتى صار شكلي شبيها بالقنفذ.
بعد تأمل وجدتُ أن الحلَّ هـو في مـقابلة الخـطرشخصيا ، من أجـــل عقـد صفـقـة ما بيـنـنا ، إنما من دون فائدة ، فقد فات الاوان ، إذ لم يعد يـظهر اطلاقا حتى في نشرات الاخبار، بل تلاشى تماما ، وحين بحثتُ عنه في سجلات الماضي ، كانوا يضحكون مني ، يسخرون كلما سكرتُ ،وترنحتُ فـي الشوارع ، في الأزقة ، أو في الأسواق ، مناديا :
- إظهرْ أيها الخـَطـَر، أين تواريتَ ، أيها الجبان ؟
طبعـا كان ذلـك في طَـور الشجرة ، قبل أن أتحول ، أنا نفسي ، وأصيرُ خَطـَرا .
finjan_2002@hotmail.com