كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 30-10-2006
اغنية الفراشة
عبد العظيم فنجان
كانوا يذهبون الى المعبد ، وكنتُ أذهبُ نحوكِ ، حيث الكهف الذي يسرج فيه وجهـُكِ القنديلَ المخبوء في أعماقـنا ، فـنرى كـل شيء ، حـتى الظلام ، صافيا : كـان ذلك قبل أن نكـتشف الحبَ ، في اغنية بدائية ، ترسمـهـا ايماءاتٌ أعضائنا عـلى الريح ، ونتركـها تسافـر، دون أن نفكر باللحاق بها ، لأنهم كانـوا يذهـبون الى الحروب أيضا ، وكـنت أفـرّ منها نحو سنابل شعركِ ، مـلقيـا الى الوديان بقوسي وسهامي، كاشطا عن حنجرتي الصرخة المتوحشة : هكـذا كنتُ اعتقد ، غير أن ذلك كان مجرد وهـم ، إذ تجلّى البربريُ الذي في داخلي ذات يوم ، حين شـعَّ في الكهـفِ نتوءُ صخرةٍ ، فتسائـلتِ بعذوبة ، وقـد فـاض نسيم روحكِ ، في الهواء ، حـتى طـارتْ ، في رحابته ، الوردةُ التي كنتُ أقطفها يومـيا ، في طريقي اليكِ : " ماذا يشبه هذا ؟ ".
أجـبـتـكِ فورا : " إنه نسر" ورحتُ أدعم نظريتي بضربات قـوية عـلى جناحيه ، لكـنكِ تدخـلّتِ في اللحظة الحاسمة ، الـتي كدتُ فيها أن أصرعه : " دعها تمرح ، إنها فراشة .." فخاصمـتـكِ : دسـتُ بقسوة على الوردة ، وخرجتُ غاضبا من الكهف ، جامعـا ، في طريق العودة ، أقواسي وسهامي التي رمـيتها من قبل .
قـرون كثيرة مـرّت مذ أن فارقتكِ ، صارالعالم بعدها أكبر من المعبد : حضارات تنشأ واخرى تموت .امم تتمزق ، وشعوب تطحن بعضها : يـذهبون الى الحروب وأذهب ، متنقلا مـن خندق الى خندق ، ومـن كهف الى كهف ، الى أن وصـلـتْ هذه الاغـنـية الـى نهـايتها ، عندمـا ألـجأني البرد والخوف ، صـدفة ،الى كهفنا الاول الـقديم في عصر الجليد ، ورأيتُ الصخرة مكانها ، فركعتُ أمامها بخشوع ، لم يألفه أي معبد ، حتى سال التاريخ من الجروح التي زرعتها عـلى بَشرة الأرض، وبكيتُ بمرارة ، محاولا أن أسترد آدميتي ، التي أضعتها بين الأوسـمة والمجازر، ملقيا عـني سهامـي وأقـواسي ،فـقد كان الـنـتـوء عـلى تلك الصخرة : الـنـتـوء الـذي كان شاهد هيامي وخصامي ، يشبه الفـراشة ، التي تشبهكِ ، تماما .
|