كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 26-11-2005
" يذكرني هذا المساء بكَ ، وبروحكَ التي تحيطني جيداً . صدقني انني الاكثر خسارة ، حين لا القاكَ ، ولكنها الاوقات الصعبة ، تلك التي تحرمني من بوحك الجميل .اعاني تضييقاً هائلاً عليّ ممن حولي ، بعد ان انتبهوا لضوئكَ في حوارتنا السابقة ، وانتبهوا ايضاً انها حوارات مختلفة ، لم اجرِ مثلها من قبل ، ولم يستطيعوا تقبلها بمعزل عن التأويل ،لأنهم ببساطة ليسوا بذات صدقها ولا نبلها. انتَ تعلم انكَ قريب ، فلا تفزع من الغياب، وتذكر دوماً ان هناك من يرتل ترانيمكَ المباركة ، مع العصافير والملائكة، فساحة الروح جنتكَ ، في عالم يتقن كل اصناف البذاءة ، فابتهج في الغياب، فالحكاية التي نسجناها هي الاجمل ، وتأكد بان التواصل لايمر عبر شرفات الكلام ، ولكنه يمر عبر الق الروح ، وسنبحث دوماً عن جغرافيا اخرى للتحليق ، حتى لو اقتضى الامر ان نستحيل طيوراً مهاجرة ، من سماء إلى سماء..."
رسالة من قمر
كما لو كنتُ انتظركِ ،
منذ حواء ،
وقد طردتني الاشواقُ من الجنةِ :
لم تهبطي معي ،
فأنتظرتُ ، في العراء ، ان يجيء بكِ الملاكُ ،
ولمّـا لم يحصل ذلك ، قبلتُ بالشيطان بديلا ، انما دون فائدة .
ايتها المكتوبة على عرش الغبطة ،
المرسومة بلعاب الدرّ على كثبان البرق ،
المخلوقة في رحم الشِعر ،
المولودة ، كالندى ، على عشب الخيال ،
والمتوارية في منازل الكتابة :
انتظرتكِ تحت شجرة ، حتى صارت الشجرة غابة ،
تناسلتْ الوحشة داخلها ، وحشا بعد بعد اخر ،
فجاء حطـّاب ،
وغرس فأسه على أسمائكِ التي كتبتُ طوال انتظاري .
هكذا تحول شغفي فيكِ الى حطبٍ ،
حوله يتجمع الذين شرّدتهم الأشواق ، طوال الحبِ ،
فيما تنغرس حروف اسمائكِ الحسنى ، جمرةً بعد جمرة ،
في مواقد ذاكراتهم :
كأنكِ حاضرة ،
تفكين أزرار قمصان رياح الحسرات التي تعصف باشواقهم ،
تلبثين هناك في قلبها ،
وتحت وسادة كل واحد منهم تتركين صورة لكِ ،
جاد بها دفء اسمائكِ التي اردّدها ساعة الجفاف ،
فتسطع ينابيعُ حلمتيكِ في المخيلة ،
واعود شاعرا مكتظا بالصمتِ :
مهجورا
يتراكم على قصائدي الغبار،
إن لم تمرعليها عرباتُ خواطركِ ،
وهي تنقل الصباح ، بعد كل ليل ، من نهارالى اخر .
ايتها المخلوقة من اجل ان اسير في الناي ،
وتتسرب من ثقوبه ايامي ،
نغمة بعد نغمة ،
الى ان تتم الابدية لحنها ، ثم لايجدني احد في النهاية ،
لكثرة ما مر نهر غيابكِ بين ضفافي .
كم قاومتُ أن أحبكِ كي اخدع الرب ، فتهبطين :
كان موعدنا الجمعة ،
الا أن السبت مر والأحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء ،
وانتهى الخميس، ولم تمر الجمعة ،
سوى اني شممتكِ في الشرق ، مع السِحر،
فركضتُ في الجهات ،
وفي معطف هواجسي حفنة من عطور كثيرة ،
اقتبستها من كل امرأة توهمتها انتِ ،
غير اني في الطريق اكتشفتُ ان النساء يشبهنـك ِ،
ولاتشبهين واحدة ،
فالغيتُ كل الجهات ، ومشيتُ على لاهدى ،
كما لوكنتُ قد تذكرتُ أنكِ هناك ، في المطلق ،
في الركض وراء الفصول والتقاويم ،
بانتظاري .
ايتها الممطرة من دون ان يمسّكِ موسم ،
أو تمر بك السنة ،
ايتها العيد في كل اغنية مشمسة .
تعبدتـُكِ في الكهوف ، وعلى جدرانها رسمتكِ ،
متقيا
سطوع شمس النسيان على هذياني ،
وأنا انحتكِ وفق ايقاعه ،
الذي لااعرف من اي طبل كان ينهض راكضا نحو رقصتي الطويلة،
ضربة بعد اخرى .
انحتـُكِ في قيعان شهوتي شاهقة فوق كل علو ،
وتصعقني الدهشة عندما ، مع اخر لمسة ، تمدّين لسانكِ ساخرة :
لستُ أنا ،
ثم تذوبين عائدة الى الطين الذي خلقتكِ منه ،
فأقعي وحيدا يائسا ، بعد كل محاولة ،
حتى اكتملتِ ، ذات جنون ، فقلتِ : هيت لكَ ،
وكشفتِ انحائكِ ، هضبة بعد هضبة ،
لكن الانسان ، بآلاته الجهنمية ، نقلكِ منحوتة الى متحفه ،
تاركا ممرات جمجمتي خالية من حضوركِ الساحر .
اذكر من فمكِ عيد ميلاده ، مع اول قبلة ،
وانتِ تقودين قطيعا من القبلات نحو مراعي جسدي .
من شفتيكِ أذكر ان خطاً من الافق قد تكون بينهما ،
من خلاله مرت الكلمة الوحيدة :
الكلمة الحبلى
التي من رحمها تولد الكائنات : احبكَ..
اذكر من رموشكِ انها رسمت حدود لانهائيتي ،
وان اصابعكِ شكـلتْ قسمات وجهي واعضائي ، فيما كنت نائما .
نائما
كنتُ احلم بكِ تقودين نحوي المسرّة ،
ويقظا
كنتُ ارى اليكِ منقادة الى التبخر تحت حرارة موجتي :
انت الصاعقة مرة ،
وانا الشجرة
والبعكس مرات .
المّ عريكِ من تفاصيل تلعثمي بحضور الجدوال ،
عندما النسيم يرسم طية من بدنكِ ، فوق سطحها ،
لكنكِ لاتلبثين مكانكِ
ريثما افصل القطرات،التي مسّها تجليكِ ،عن المياه ،
فما من عزاء ، وقتها ، الا ان اتبع النسيم من جدول الى جدول ،
او أن ارتدي الجداول .
هناك..
هناك ممر كان بين نهديك دافئا ، مشيت فيه مرة وتهتُ ،
لأنني رأيت فيه الملاك والشيطان ، مثل عقربي ساعة ،
عاطلان عن العمل ،
تاركين الوقت ، هو الاخر ، لايفرّق بين بداية الممر ونهايته ،
حتى انني ، في الاخير، ناديتكِ :
ايتها الكسولة في لمّ الغيم ، فهي حواجبكِ .
ايتها المتباطئة عن الموعد ، فهو اقترانك بالعاصفة ،
وحفل زفاكِ من الغسق .
فامتصني عرقُ بدنكِ وغصتُ عميقا في آبارمسامه ،
نبضة بعد نبضة ،
حتى وصلتُ الى ما لا اسميـّه ، لأنه كان منتهى المنتهى .
اذكر انكِ لم تذهبي الى المدرسة :
في الجنة لايتعلم المرء
الا عبر الحواس ، من دون معلم ،
لكنكِ طلبتِ ذلك .
طلبتِ ان اكون المعلم والدرس ،
ولم يكن ثمة شيء اعرفه سوى ان ادلكِ عليكِ ،
اكشفكِ لكِ ،
فوجدتكِ تعرفين المسالك ،
وتحفظين ، عن ظهر قلب ، خرائط الذنوب :
ذنبا بعد ذنب ، حتى اكتشفنا معا اننا نستطيع ان نخلق الجحيم ،
مثلما بامكاننا ان نبتكر لنا جنة محفوفة بالمخاطر :
الخطر ان نكون خالـقـَين ، اجمل من ان نكون ضحايا .
هكذا اخترعنا الحب ،
وسحنا
في مجاهل الجمال ، قصيدة تكتب نفسها ،
وتزدري النقـّاد لأنهم يحسبون الريشة طائرة .
اجهل ما الذي طار من اعضائنا ، ساعة ارتكابنا الخطيئة النبيلة :
ربما كان العقل كله.
اجهل مالذي حطّ في جسدينا ، ساعة التحامنا في المعركة ،
ربما كان القلب كله .
لكنكِ تعرفين اننا لم نرتكب الا ما يُـنير دواخلنا ،
وصولا الى الشعلة ،
فلنكن ساقطـَيـن بعدها ، لأن الأقاصي صارت قريبة .
ان اشراقة الجسدين على بعضيهما
لاتليق بها الاغطية :
دعينا ، في العراء ، نسطع كشمس حنونة ،
ودعي التاريخ يشرب قهوته مع القائد المنتصر،
آه
ما أروع الظمأ
بين جسدين يرتشفان القهوة من بعضيهما ،
على سريرالهزيمة .
اذكر ذلك ،
وايضا اذكر ان براري ساقيكِ عندما اغتسلتْ بأمطارساقيّ ،
وانطلقا معا الى اللا أثر،
تحولتُ ، انا المعلم ، الى تلميذ .
قلتِ : مادام التأريخ زائفا ،
حلـّق يافتاي ،
لقد ابتكرتُ لنا، من اجل التحليق ، جغرافية ً اخرى :
يا رجلي ، ياصياد طيوري ، يامعبودي ،
حلـّق
سالحق بكَ ، مع بقية الدرس ، هناك :
ان التحليق هنا محفوف بالأوامر .
وحلقتُ بعيدا ،
من سماء الى سماء ، وفق الخارطة ، حتى رأيتُ الدلالة ،
عندما أشرق وجهكِ - القمر على كوكب مغبر حزين اسمه الارض ،
فانتظرتكِ فيه ، كما جاء في الكتب المقدسة :
كان موعدنا الجمعة .
ومر السبت ومن بعده الاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء ،
حتى انتهي الخميس ، ولم تمر الجمعة .
آه ،
ولامرة ، في حياتي ، مرّتْ الجمعة .
finjan_2002@hotmail.com
|
مواضيع ذات صلة • هزائم • قصائد • غابة النار • أُرَقُّ بحبه فأعيشُ حرّا • وحش الشمال
مواضيع اخرى للكاتب • أغنية من قعر زجاجة • اغنية آخر سركون بولص في العالم • اغنية امشي ضائعا في جمالكِ • عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين " • اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا |