سلفادور دالي
الرئيسية     شعر     مسرح     موسيقى     سرد     نقد     نصوص مترجمة     كتّاب الموقع     الارشيف     اتصل بنا

كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 26-06-2006

الشعر خارج الخـُـلـق الرسمي


الشاعر حسين علي يونس ، مثلا


عبد العظيم فنجان


الى نصيف الناصري ، وهو يهشـّم الفراغ .


1


صاعدين السلالم ، في الطريق الى دار " نشر الجمل "  توقف صديقي الشاعر حسين علي يونس  فجأة ، وسحبني من ذراعي ، إذ كنتُ أسبقه في الصعود . التفتُّ ونظرتُ الى وجهه مستغربا ، فضحك : " لا تنس أن تسرق لنا كتابا ، على الأقل !! "  لفتته الساحرة تلك كانت ممرا لمسرّة مفقودة  في طريقها الى التجلي  : "  وهل تقاعدتَ من هوايتك الضالة هذه ، أم لأنك لا تريد أن تمارس الحرام بحق الدار التي طبعت مجموعتك الشعرية ؟ " . كنا قد وصلنا الى غرفة الاستقبال أثناء ذلك ، حيث الكتب مطبوخة جيدا ، ومعروضة أمام شهيتنا، نحن المفلسان ، لكن الصعلوك - وهذا لقب اختصه به الراحل جان دمو- نسف كل شيء عندما رفع صوته ، فخرج من ادارة الدار رجلان ، لم يكن ممكنا بحضورهما مس أي كتاب معروض ، ولو بنظرة .


2


الاستهلال " غير اللائق " اعلاه ، حيث اعتاد البعض الكتابة عن بعضهم  بطرق حذرة، تمنعهم من التجول في المناطق الحرام ، هو من جنس الاهداء الذي وقعه لي هذا الشاعر، بخطه الخشن ، على الصفحة الاولى من مجموعته الشعرية : " حكايات ومرائر " الصادرة عن " دار الجمل " ، وهما يصلحان لأن يكونا مفتاحا لبوابة ، تختفي وراءها قلعة من الشعر الخارج عن الخـُلق الشعري ، ليس لأن القصائد تتخذ من النثر وسيلة شعرية ، رغم أهمية هذه القضية بالذات ، وانما لأن الشعر فيها لم يخضع لأي لعبة شكلية من الخارج ، ولا الى أي بهرجة لغوية تمد خيوط المتاهة العنكبوتية ، خاصة وأن بعضها يخلو من الصور المجازية ، التي نجدها عادة في الشعر ، وهو موضوع سنخوض فيه في ثنايا هذه المادة  : الاهداء طريف : " الى عبد العظيم فنجان : نعم للشعراء .. لا للحمير " . إهداء يحيل فورا الى اسلوب في الوجازة ، وفي التعبير ، تضمنتها قصائد المجموعة ، التي في واحدة منها تتحول المدينة الى اسطبل للحمير  :


" السائق :


- أين تنزلين ، ايتها الأم ؟


العجوز :


- قرب الحمار المربوط.


السائق :


- يا للكارثة ،


ماذا افعل ،


والمدينة


أساسا


مدينة حمير "


- قصيدة السائق 


3


ينحدر هذا الشاعر من قيعان منسية ، تتشكل فيها غبطة الحياة وتعاستها من نفس المادة ، حيث الانسان بكيانيته المستباحة يتحرك نشطا ، رغم كونه ملطخا بالالم والتوبيخ ، كبصمة على جدران العمر ، معرَّضا ابدا للغزو من قبل كائنات قادمة - كأنها - من كوكب اخر . ذلك ما تكشف عنه بعض أعماله الشعرية ، الموزعة بين مخطوطات منسوخة بخط اليد ، واخرى على جهاز الدفلوب ، والاكثر دهشة هي تلك القصائد المطوية في كيس كبير من اكياس الطحين الفارغة ، مركون تحت مكتبة ثرية بكتب مشبوهة : ذلك أيضا مما جعله مرجعا لايستغنى عنه اطلاقا في تزويدك بالكتب النادرة ، القصائد الفاتنة ، النقد ، المسرح ،  والروايات ، وهي بعد في عز طزاجتها، ولكن أي تزويد ، أو أي زوادة يمكن أن يهبك إياها هذا الصعلوك الانيق ، في شعره وفي حياته ،مالم تكن مشروطة بكتاب .لانقود في مساومات حسين ، المال يأتي تاليا ، فالافضلية ابدا هي للمعرفة ، وتلك هي فكرته عن القصيدة ايضا، التي لاتستعصي عليه ، من اجل ايصال فكرتها بكامل حرارتها ، أي  لفظة أو مفردة كما سنلاحظ ، وهذه احدى ميـّزات لغة حسين الشعرية ، حيث الانتقاء لايعني قاموسا خاصا درج الشاعر على استخدام الفاظه : ان لغة حسين الشعرية هي كل اللغة ، حيث لالفظة شريفة على حساب لفظة كسيفة ، لأن مايحدد شرف اللفظة عنده هو وظيفتها ، وهي احدى السمات المميزة للغة الشعرية الحديثة عموما ، لكنها عند حسين علي يونس تأخذ حرارة الحياة من خلال عبقرية خاصة في التقاط اللامألوف ،الجوهر الكامن في الاشياء المهملة والحركات اليومية ، التي ماتت لكثرة استخدامها ، وتكرارها ، فيبعثها ، من خلال قطبي الالتقاط وحسن التوظيف ، حية وطازجة ، حتى لتبدو لنا انها مولودة للتو :


   " ماذا اعمل ؟!


سؤال ، طالما رُدّد من قبل الاصدقاء ،


وهو سؤال حيّـرني حقيقة ،


فأنا لم أكن لأفعل شيئا .


بكل تأكيد


كان أخي


هو الذي يسوق طوال اليوم ،


اما أنا


فكان اختصاصي الشخير،


وإعادة ( التريلة )


لو سرحتْ ، بواسطة الكتف .. " 


- قصيدة : على ظهر الشاحنة  


الازاحة الشعرية في هذه القصيدة مركبة من عدة ازاحات ، لكن ذروتها في استخدام لفظة ( التريلة ) التي تعني بالعامية العراقية : مركبة الحمل الكبيرة ، اما باقي الازحات فمن اجل تشكيل وحدة كلية للنص ، لايمكن فصلها عن بعضها : إنها ايجاز خالص في البطالة والملل ، حيث لااجابة عن : " سؤال طالما ردّد من قبل الأصدقاء "  غير القصيدة ، وهي لاتحمل إخبارا فقط ، وإنما سخرية مريرة من الحياة ، وهي سمة من سمات حسين الشخصية ، حيث يصبح حتى الحزن مدخلا للضحك من كل شيء ، لكنه ضحك مفرط بالدمع :


" أثناء خدمتي العسكرية  صُفعت 6 مرات خلال عامين ، والمرة السابعة حين اوشكت ان ادخل في الثلاثين : صفعني شرطي ، في السابعة عشرة من عمره ، لأن لأنفي صارية ، ولعيوني اجنحة ، لم تعجبه "


قصيدة - اجراءات الخدمة .


تكشف القصيدة اعلاه - فيما تكشف - عن هشاشة العالم وبؤس قيمه ، خاصة عندما يكون الشاعر مغردا خارج السرب ، حيث التغريد من الداخل لايعني الا الانخراط في الجوقة المصفقة للفراغ ، المنحنية لتقبيل يد السلطان ، وتبويس الارض التي تطأها اقدامه، فيما الصمت بحد ذاته كاف لجعلك منبوذا من قبل القبيلة : قبيلة البوليس السري القابع في مسام وبدن الكثرة الغالبة . وكان حسين في كل ذلك كمن يقود عصفورا ، يستدرجه خارج الغابة ، ومن ثم يطلقه  في ازقة الشوارع الخلفية ، حيث يرفرف نشطا في هواء النجاة النادر. لبث على هذا الحال الى الان : لم يفرك يديه حسرة الا على كتابة قصيدته الجديدة ، وليس مهما أين ، ربما على الهواء ، او في اللاشيء ، ففي ما يشبه الاغنية  اسمع اليه يترنم بحنو وشفافية  ، فتكسوني غبطة  قادمة من عالم آخر ببدلة الطير، غير عالم الجوقة تلك ، حيث الليل يعزف اوركسترا الذئاب ، فيما الشاعر يقف قرب مزابله ، ساخرا - كأنما - من تقاليد الوقوف على الاطلال ، يغني هذه الاغنية الشجية :


" الحمار وأنا :


  هو يسير تحت المطر ،


  وأنا


  أتدفأ بصوت المزاريب " 


   قصيدة - عربنجي


4


لا حظوة يمكن ان يجدها شاعر كهذا من مؤسسة " شعرية " تقاسمها ، لزمن طويل ، شعر التعبئة من جانب ، ومن جانب اخر شعر التعمية ، فيما تمثل المدائح الرنانة جسرا فاصلا - واصلا بين قارتين ، لاتنتمي لهما قصيدة الصعلوك . كما أيضا لاحظوة يمكن ان يجدها الشاعر الحديث ، وسط جوقة شعراء يكتبون قصيدة نثر بذاكرة عمودية . لقد كان جديرا بهؤلاء ، من أجل احترام الشعر لاغير ، أن لا " يجربوا حظوظهم " في فن صعب ، فليس التنازل عن الوزن والقافية من اجل السهولة ، وإنما من أجل استيعاب سعة الرؤيا ، وليس جديدا لو قلنا : إن السعة في الرؤيا ، لاتتوفر لأي كان ، بل هي خاصة جدا ، لذلك - ربما - لانجد كثيرا من الشعر في قصيدة النثر التي يكتبها اولئك ، أو بكلام آخر : لذلك يبدو الشعر ، في هذه الايام ، غريبا ، لندرة منتجيه ، ولعوقهم الجمالي والروحي الحاد، الذي يحول بينهم وبين انتاج الجمال أو اعادة انتاجه . لحسن الحظ فإن صاحب " حكايات ومرائر " لم يكن يفكر بذلك مطلقا ، معطيا ظهره للمؤسسة وللقطيع ، وهو يسرد حياته ، نائما على سرير متوهم :


" بدشداشة


تصلُ الى قصبة الساق .


حليق بشكل أهوج.


ذو نغفة ، وتبهرني المقالع :


يوم ولدتُ لم اكن سعيدا،


ولم أكن ممن يترقب بزوغ الحياة


من دشداشة وسخة كهذي :


ولد وسخ


ويعبث بالقمامة .


هذا كل ما اتذكره الآن ،


وأنا مسمّر الى فراشي وقد دخلتُ الثلاثين :


أعد الامراض التي ركبتني ،


واضحك .. "


- قصيدة : ولد وسخ


5


رصد الحياة من الداخل مهمة عسيرة وخطرة ، انه رصد الكتـّاب الذين يمتلكون " الفن الصعب ، فن اعادة كتابة تاريخ الجراح الانسانية ، انطلاقا من أصغر ندب - جورج حنين "  وهو عند حسين رصد يحتفي بالخلاص ، أكثر مما يستسلم لفكرة نشر غسيل الواقع كما هو ، فالضحك في قصيدة " ولد وسخ " ليس بالمجاني ، انه إسلوب عمل ، ومنهج واضح ، لمجابهة البؤس المحيط بالفرد وحميميته : البؤس العديد التجليات ، وليست " الصفعة " إلا واحدة منها . ولعل القاريء لمجموعة " حكايات ومرائر "  قد استبد به المرح لمرات عديدة ، وهو يتنقل بين كائنات خائبة واخرى مشتعلة ، لم تسلم من ظرف الصعلوك وبشاشته الحزينة، حتى ان ذلك يستفز القاريء ، ليثير تساؤلا فيما لو كانت هناك فلسفة ما يستند اليها الشاعرفي معالجاته ، في رصده الى الحياة من الداخل .


بالنسبة لي  لطالما اثار حسين علي يونس ، في ذهني ، صيحة الفرنسي مارسيل بانويل: " الانسان يضحك عادة ، عندما يشعر بالتفوق وبالنصر " واذ أشير الى ذلك فلست اعني ان حسين شاعر هزلي ، على سبيل الاحتراف ، بل اعني انه في رصده الى الحياة ومشكلاتها ، يستند الى حكمة شخصية تتلخص بحتمية انتصارالانسان على بؤسه ، وهي حكمة تتحرك بين قطبي اليومي والفخم : اليومي من خلال العناية بالمهمل والمنسي ، والفخم من خلال معاينة الحياة من فوق ، وتأمل الوجود ومشاكله الكبرى : الزمن ، الموت ، التاريخ ، الحب ..


ربما كان هذا : أي رصد الحياة وكتابة تاريخ الجراح الانسانية " انطلاقا من اصغر ندب " ، هو ما املى على الشاعر أن ينوّع في اساليبه الشعرية ، لتتراوح بين اسلوبي التعبير والتجريد . ولعل  النصوص التي أوردتها في الفقرات اعلاه تصلح لأن تكون امثلة نموذجية لاسلوب التعبير ، الذي  احاط باليومي ومشكلاته .


أما التجريدي - أو الفخم ، أو العالي - في شعر حسين فأخذ من مجموعته الشعرية الحصة الاكبر ،


وهذا التنوع بالاسلوب ربما له علاقة بالعنوان الذي اقترحه على عمله : " حكايات ومرائر " حيث


من المفروض انها تتكون من " حكايات " ومن " مرارات " أو مرائر " كما يريد ان يقول العنوان ، فأين يمكن أن نجد كل ذلك ، ومعظم العناوين الداخلية للنصوص تحمل صفة " قصيدة " ؟


الخلاصة التي وصلت اليها بعد تأمل وقراءة متأنية للمجموعة هي أن الحكايات تحمل في طياتها مرائر ، وبالعكس ايضا فإن المرائر هي حكايات ، وهذا مايجعل المجموعة خارجة عن خـُلق العنونة السائدة للمجاميع الشعرية الصادرة ، على الاقل ، في بغداد ، حيث لاتورية تقف من وراء عنوان المجموعة ، وحيث العنوان هو هوية او بصمة لفترة زمنية ، أو تجلي لوحدة تأملية او ابداعية في مرحلة ما ، تأتي المجموعة التالية لنفس الشاعر ، اما لتجاورها او لتتجاوزها ، وهو أمر لااعتقد ان حسين علي يونس بصدده ، بناءا على قربي من عمله ومن اطلاعي على مشغله ، فهو سيلبث مسحورا في منطقته الشعرية هذه لأن هناك ثمة شيء لم يقله بعد ، ولأنه أمسك جيدا باسلوب الكتابة عن هذه المنطقة تعبيرا وتجريدا ، وصولا الى الاعراف ، حيث القصيدة احيانا - كما في بعض نصوص المجموعة - مكتوبة باسلوبي التعبير والتجريد معا ، وهذه الاخيرة ربما لها علاقة توصيلية بثنائية العنوان : " حكايات ومرائر " .


6


 " لـِمَ نكتب الشعر ؟


لأننا نريد أن نقدح الحياة ،


في الأشياء الميتة .. "


- قصيدة : قصيدة


 


 


" فكرة تتموج


على ورقة ،


تتذكر أمواجها


السائبة "


- قصيدة : الشاطيء


 


" النهر يتنفس ، والى منبعه ينحدر.


النهر يتنفس ،


وعلى ضفافه


تتناسل الصباحات "


- قصيدة : مشهد


 


" على الأرض


الخبز وحده


يودِعُ قلبه في فم الطفولة المغرّد "


- قصيدة : قصيدة


تنتمي هذه الامثلة - النصوص الى عالم التامل المحض : التامل الذي يوحي بحنكة وخبرة فيلسوف او مفكر ، وهي تمثل بعضا من تخوم قطب الفخم والعالي في عمل حسين الشعري ، وهو القطب الاول كما اسلفت اعلاه ، لكن تأملاته ، أو نصوصه التأملية لاتخرج عن المألوف أو الواقع الى واقع اخر ، بل تبقى محافظة على المكان والزمان الذي انطلقت منه ، حتى وهي تعبر نحو تخوم تأملية بعيدة . واذا كان لابد من التوسع في قطبه التأملي هذا ، فإني أجد في نصه المضغوط بعناية ، والمكثف جدا :


 " لـِمَ نكتب الشعر ؟


لأننا نريد أن نقدح الحياة ،


في الأشياء الميتة .. "


خلاصة هامة ، توجز فهما عميقا لمهمته كشاعر ، وهذا الفهم  أو الايجاز لايختلف عن الفهم الذي يقدمه السوريالي البغدادي ساران الكسندريان : "  القصيدة تقاتل الواقع السافل بأن تنشر في وجهه روعة الزهرة فيها ، طيران فراشة سكرى باللازورد ، وبتأكيد نفسها كناتج ارادة سيدة اعادة خلق العالم ، إرادة لن تتنازل أبدا "  هذا المسار أو هذا الموقف الجمالي هو وليد تفاعل انساني كبير مع الحياة بكل مافيها من مساويء او فضائل ، وهو يمنح الشاعر مشروعية " تخريبه " الظاهري للغة ، بتحويل مفهوم " الحياة " المجرد الى حقيقة مادية / طاقة : نقدح بها الحياة في الاشياء التي ماتت ،والتي دفنها " الواقع السافل " حسب الكسندريان -


من نظرة اخرى ، قد يبدو هذا النص - وهناك مثله كثير في المجموعة - وكأنه مجرد " تقرير " او جملة تقريرية خالية من ميزات الجملة الشعرية ، كالمجاز والاستعارة ، وهذه  مشكلة فعلا ،لأولئك الذين لايقدحون الحياة في الاشياء الميتة ، فقد درجوا على فهم قبلي على ان الشعر لايؤكد وجوده الا من خلال العلاقة بين لفظتين او ثلاث داخل الجملة الواحدة ، ونوع هذه العلاقة يتحدد بطبيعتها لتكون مجازا او استعارة او .. الخ ، معنى ذلك ان الازاحة الشعرية لاتتحقق الا في الالفاظ ، فيما الواقعة الشعرية هنا لاتعتمد على هذه العلاقة كليا ، وإنما من خلال العلاقة بين جملتين عاديتين او اكثر ، كما لاحظنا في قصيدة " اجراءات الخدمة " مثلا ، التي تتكون من ثلاث جمل طويلة : الجملتان الاولتان خاليتان من اي زخرفة لفظية او لغوية : جملتان عاديتان جدا ، ثم جملة ثالثا مجازية تضيئهما ، وتسحبهما من العادي والمستهلك الى الشعري ، فإذا كانت اسباب الصفعات التي تلقاها الشاعر في الجملة الاولى مضمرة داخل السرد ، لايتوسل القاريء البحث عن دوافعها ، ربما لأنها من مألوفات حياة عسكرية مخضبة بالاهانات والركل ، لاجديد فيها ، فإن الصفعة السابعة التي يأتي تبريرها بجملة مجازية : " لأن لأنفي صارية .. " سرعان ماتثير التساؤل عن معنى الصفعات الست السابقة ، التي مر بها القاريء ولم يعرها انتباها لأنها ميتة لشدة مألوفيتها : إذن هاهنا بعض ماعناه الشاعر في " كي نقدح الحياة في الاشياء الميتة " اذ لابد ان كل من مر بهذه التجربة قد تحسس خديه ، متذكرا احساسه بالمهانة انذاك . وهنا ايضا تكمن احدى ستراتيجيات حسين الشعرية واهدافه ، فهو لايكتب شعرا يدفع الى الاسترخاء ، بقدر مايكتب شعرا تحريضيا ، ولكن بطريقة التورية ، فكل المرح الذي يمكن ان يشعره المرء مع نص كهذا لن يبدد أثر الصفعة على الخد ، التي اعتقد انه قد تلاشى ، أو انه لم يخلف ندوبا في روحه .           


    7


نازلين السلالم من جديد ، في طريقنا الى ساحة الميدان ، سألني حسين إن كنت قد أديتُ المهمة التي اناطها بي ونحن صاعدين الى دار نشر الجمل ، فصحت بوجهه : " لكنك بصوتك الجهوري ، لم تترك لي متسعا من الحيلة " فتوقف  : " ومع ذلك لايجب أن نفوّت الفرصة .." . تركني أنزل ، وعاد الى الصعود بخفة أرنب ، فيما بانت لي الفكرة التي في رأسه ، من خلال صلعته التي أحاطها بعض الشيب : إنه يروم أن لايخرج من المعركة خاسرا . هكذا لمـّا عاد كانت ابتسامة الظفر قد نبتت على حواجبه المجنحة ، فرسمتْ لها قوسي قزح شعا طوال ذلك اليوم : كان قد عاد بألفي دينار : " سلفة ياصديقي .. لن أُسددها الى أبد الآبدين " ضحك ضحكته العظيمة، ثم أردف : " لاحصة لك في الغنيمة ، لأنك كسول ..

مواضيع ذات صلة
• صحفي للبيع .. قصة قصيرة
• رحل ياسين الراوي ولم ترحل ألحانه
• كان نداء هوميريا
• المدينة التي أكلت يدها اليمنى
• تميمة الميعاد.. قصة قصيرة

مواضيع اخرى للكاتب
• أغنية من قعر زجاجة
• اغنية آخر سركون بولص في العالم
• اغنية امشي ضائعا في جمالكِ
• عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين "
• اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا