كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 29-12-2007
اغنية امشي ضائعا في جمالكِ
عبد العظيم فنجان
كان ابوكِ ناقدا قديما كالظلام ، فلم يكتشف كيف أشعلتُ قش جَمالكِ وهرّبتكِ ، من بين جحيم الاقفاص ، اغنية بعد اغنية ، حتى اسكنتكِ جنة هذه الاغنية ، رغم أنه كثيرا ما شمّ ظلام القضبان ، وتفقد بَشَرة أحلامكِ ، باحثا عن نأمة التمرد ، لأن نَسَبه ينحدر من فخامة التقاليد والمناهج ، فيما كنتُ لقيطا ، كقصيدة نثر : عروقي حفرتَها آثارُ السياط على جِلدكِ ، ودمي رغبة غامضة تجمع عصورَ حنانكِ بشفرة واحدة . لم أقصد أن احبكِ ، لكن قلبي اتخذ شكلَ مَـن يحبكِ ، فصرتُ ملاكا قادرا على أن يبتكر ، من خلالكِ ، المعجزة :
فتقتُ العاصفـةَ لأُستخلص لروحكِ معادن الهيجان ،
وحرارة السقوط الى الاعلى .
أجلستُ الريحَ على أقـدامكِ ، وأمـرتُ النسمـة أن تبني عرشها في رئتيكِ .
ارتجفتُ بين حلمتيكِ كمهد ،
ارتفعتُ بساقيكِ عاليا كـراية الحرية ،
وعلى بطنك تمددتُ كميدان من برادة العشب والنحاس .
غسلتُ روحكِ بزيت الشِعر ،
مشطتُ شعركِ بهواجـس الممسوس بالمشي تحت المطر ،
خضّبتُ دمـكِ بالعيد ،
واطعمتُ قلبكِ كِسرة مـن شطوط الطفـولة .
بضمّـة يائسة كنستُ غـبارَ الفراغ المتراكم على شفتيكِ ،
وكسرتُ عتمة الايام ببياض ابطيكِ .
أعرفُ أنني أركبُ طائرة ورقية ، لكن الخيال مجرّة ، وروحي نيزك صغير ، غير أني تآكلتُ في طريقي اليكِ ، ولما وصلتُ كنتُ لا أحد ، فالمرايا التي وقفتُ أمامها تلعثمت ْ ، فلم تنبس ببنت شفة ، وأنتِ فيء أخضر ينحدر من حكمة من النبات ، يلوّح لي بالمسرّة : كان أبوكِ ملكا ، وكنتُ هاربا من حروبه الى جهتي من النسيان : امشي بصمت ، على حبل الضجيج ، وبرهاني قلة الحيلة . لم اقصد ان احبكِ ، عندما جلستُ تحت سقف اضطرابي ، أنتظر أن اختفي في باطن الاسماك التي تسبح في نهر نومكِ ، لأن قاربي هو جسدي ، فانوسي هو الخوف ، ودليلي هو التردد ، لكنكِ اتخذتِ شكل مَن مسها الحبُ على الأرصفة ، مزّقها توقُ البحث عن عنوان في المنفى ، وتعتعها شغفُ الزفاف الى شاعر من الأزقة ، فعرفتُ أن مصيري يترنح سكرانا بين حانات خواطركِ ، وتلال اسراركِ ، ففي دمكِ رأيتُ سِنة من النوم على المصاطب ، وقرأتُ رغبة الشاعرات في التشرد تحت شمس من الدخان ، فوقعتُ في صحن غرامكِ ، وانكسر الصحن ، ولم ينكسر غرامكِ ، لأن لروحكِ عادات ، لكن من شجر ، لأنكِ تبتكرين ريشَ الرحمة ، وعندما تحلقين فوق ، يجتمع الريشُ على هديل اسمكِ ، لتولد الحمامة .
أنتِ مَن أحببتُكِ قبل أن يعثر الانسانُ على قلبه .
أنتِ مَن غنيتُـكِ وحيدا بحنجرة الجميع .
أنتِ عدة شموع في شعاع واحد .
انتِ سفينة في عدة طوفانات .
أنتِ حـزمة مفاتيح في معرفـة واحدة .
أنتِ سهم الرحمة الذي يذبح القـلب ، ويرسمه ملاكا في راية الشيطان .
انتِ لا نهائية الغفران في الخطيئة .
أنتِ فيضان من الشك في قناعة أكيدة .
أنتِ انشطار المعنى ، ومفترق طرق امام مسافر واحد .
رأيتُ حضاراتهم ، في عينيكِ ، تفرض حصارها ، دمعة بعد دمعة ، كما أن المصابيح ، في الطرق ، كانت تزخ مطرا من الاصوات ، حتى فقدتُ الصحو من شدة الصحو ، فقد كهربني سلكُ العشق وارتجفتُ ، كأني قميص منشور تفرّ العصافيرُ المرسومة عليه ، كأن العالم كله كان حبل غسيل ، فخفتُ ورفرتُ طفلا بين سيقانكِ ، لكن الناقد شم رائحة الخلاص ، فاستعار لحية البلاغي وجبّة المتكلم ، وأقفل المطرَ على مهرجان الوردة ، لأن القصيدة تقول ولا تقول ، ونهر الشِعر اجتاح سدودا من الجوائز ، ليسبح في تياره الصعاليكُ والهراطقةُ ، كما أن الملك اصدر مرسومه باغتيالنا علنا ، إذ لم يعد ثمة مَن يغني له القتلَ في الشوارع : كان علي أن اهرّبك من الوضوح الى الغموض ، ومن الشعارات الى لجة الصمت ، لأنني أكتشفتُ أن كثافة الحب هي في ما لا يقال ، فغنيتكِ في قشعريرة الخنادق : تحت القصف ، وفي حشرجة البرق ، إذ ينحت ، في السماء ، شكلَ القيامة . كانت الاغنية محكمة جدا ، والكلمات أقفال ، فركضتُ بكِ نحوكِ ، تطاردنا عصور من الطائرات والقنابل ، ثم تتعبين ، وتخذلني القصيدة ، فأحرسكِ من الحرس ، أفيض عليكِ سيلا من الدموع والتعب : أتعرّق فتسيلين من مسامي . تخافين فأرتجفُ ، وتعرقين فأهجر نفسي ، واسيل من مسامكِ :
القيتُ عليكِ من الفـصول كـل ربيع ، ومـن الربيع خـلاصة التبرعم ،
ومن التبرعم خلاصة الرحيق :
احبكِ ،
وأعني أن الشِعر يعمّني عندما احبك .
احبكِ ،
وأعني أن عمري يزحف الى الهلاك على ركبتيه عندما لا احبكِ .
احبكِ ،
وأعني أنكِ صحو الصخور على الصباح ،
إذ يشرق بالشمس على بحارة تائهين .
احبكِ ،
وأعني أنكِ ملح الاساطير ،
وامرأة السلام التي من أجلها تنشب الحروب .
كان أبوكِ صيادا ، فصرتُ عبده الذي اصطادني : أقرا كتبَ الحنين ، وأعيش لاجئا سياسيا في بطن سمكة ، مثل يونس . كان جنوني على أشده ، عندما انتميتُ الى قلة من الشعراء تقود قطيع مستقبلها بعصى التقهقر . كان الغناء يغزلني خيطا من القلق ، وهناك حبل من الفئران يقرض نيران وساوسي ، لأن احلامي وُلدت وهي محفوفة بالمخاطر ، منها : أنني ابتكرتكِ وأضعتكِ . ومنها أنني أضعتكِ وابتكرتكِ ، ثم أضعتكِ ، ومنها : سابتكركِ واضيعكِ ، الى أن ابتكركِ أخيرا على هيئة لم يرها أحد ، ثم أضيعكِ .
لم أقصد أن احبك ، لكنكِ تجليتِ كتابا ، فقرأتكِ على العشاق في دفتر العالم ، ولما أنتهيتُ مشيتُ خلفكِ ، لأنني رأيتكِ على الهيئة التي لن اُضيعكِ فيها ، لكنني سأضيع فيكِ ، فيما أبوك يرقص مصعوقا ، كمن اكتشف أن الشِعر يجلس على كرسيه في قصيدة نثر مجنونة ، كمثلكِ : زوّجني بكِ ، قبل أن يبتكروا الزواج ، فصرتِ امّا تحملني جنينا في بطنها ، واحملها في ظهري نطفة ، ستصيركِ وأنتِ تسرحين بقطيع الزمان في جنة هذه الاغنية ، فأولد ، وأمشي ضائعا في جمالكِ .
حول مشاعية الشعر : ملاحظة من الشاعر
ربما وجد بعض الاصدقاء أن هذه القصيدة - أو ما يشبهها - منشورة سابقا ، في مكان ما ، وأنني غيـّرت عنوانها ، وأضفت وحذفت ، فاعتبرها تجديدا لقصيدة قديمة ، على ما ألفوا مني ذلك في مرات سابقة ، لذلك ، من أجل الايضاح ، أكتب هذه الملاحظة التي تتضمن رؤيتي الى قصيدة النثر ، وإن بايجاز ، فالبعض يعتقد واثقا أن نشر قصيدة ما هو الذروة ، وأن مهمته أنتهت عند هذا الحد . وأنا – عن نفسي – أقول : ربما تكون عملية النشر هي البداية . لقد تحررتُ من الرقيب ، ومن زيف سلطة المحررين ، وساديتهم ، وغبائهم ، في الصحف ، فماذا بعد ؟
إنه لا يعني أن أبني مجزرة أذبح فيها قصائدي ، من جانب ، لكن من جانب آخر تتيح هذه الحرية المتوفرة في الشبكة العنكبوتية امكانية نشر التجارب الجديدة ، وتوسيع التجريب الشعري الخلاق الى اقصى مدياته ، ولذلك لا يمكن أن اعتقد بأن نشر القصيدة يعني نهايتها ، خاصة وقد أهلكتني ، واستفزت طمأنينة قليلا ما احصل عليها : إنني بذلك أبيع حزني وفرحي وحبي مجانا ، كما أنني بذلك احكم على مصير شعري بغير رحمة ، وبغير روية ، وليس هذا فقط ، لأنني سأكون مسيئا الى نفسي والى عملي في آن واحد ، كما سأبدو مستغلا لسماحة القاريء وطول صبره ، عندما احمله عناء حمل التابوت ، الى مقبرة الاشعار الميتة ، دون أن اوضح له الامر ، على الاقل .
لقد آمنت أن الشيء يحمل نقيضه المستور ، والنثر يحمل معه نقيضه والمسكوت عنه : أي الشعر ، ولذلك من أجل أن يطل بهذا الباطن السحري الى الخارج ، يدفع الشاعر بالنثر الى أن يتخلى عن اجرائيته الشائعة ، في لغة التواصل اليومي ، لكن النثر مع ذلك لا يهجر ، في قصيدة النثر ، عاداته ، أو تقاليده - كالفارزة والنقطة ، مثلا !! - بل أن هذه العادات والتقاليد تظل رهن موهبة الشاعر، ورهن خبرته وتجربته ، وهو يبتكر عالمه الجديد ، متخليا عن ذاكرته الايقاعية تماما ، وصولا الى ما اسميه : " التفكير النثري " أو " التفكير غير الموقـّع أو اللايقاعي " ، وبالإمكان تلمس هذا التفكير واضحا في قصائد الراحل العزيز سركون بولص ، وفاضل العزاوي ، كما نلمسه عند شاعر موهوب هو ناصر مؤنس ، اضافة الى الصديق الراحل عقيل علي ، علي البزاز ، محمد مظلوم ، زعيم نصار ، حسين علي يونس ، باسم فرات ، والشاعر الطالع الجديد خالد خشان ، وآخرين قلة ، ومن الشاعرات فيفيان صليوه ، سهام جبار ، والصوت الطالع الجديد فيء الجبوري
وطبعا سيقودنا هذا الموضوع ، بشكل ما ، الى قصيدة النثر المسموعة ، التي تخاطب الاذن – وهو شائع في لبنان وسوريا : انسي الحاج ، عقل العويط ، لينا الظبي ، مثلا - والاخرى المقروءة ، التي تخاطب البصر- وهو شائع في شعر العراقيين ، مثل باسم المرعبي ، عبد الرحمن الماجدي ، خالد المعالي ، سعد جاسم ، صلاح حسن - اضافة الى القصيدة التي تحتمل القرائتين ، كما عند العراقيين وسام هاشم ، عبد العظيم فنجان ، وطالب عبد العزيز ، إضافة الى الشاعر اليمني فتحي أبو النصر، والمصري ابراهيم المصري ، والعماني زهران القاسمي ، ومعذرة لعدم ذكر باقي الاسماء التي استمتع بشعرها حقا ، لضيق الفسحة ، ولأن ذلك يحتاج الى موضع خاص للتوسعة ، ربما كرست له نفسي عن قريب !!
تجدر الاشارة أن التفكير النثري أو اللايقاعي ليس مقتصرا على قصيدة النثر ، فهناك قصائد موزونة تتضمن هذا التفكير – عبد القادر الجنابي في بيانته النثرية الموزونة ، فاضل العزاوي ، سركون بولص ، عبد الكريم كاصد ، حسب الشيخ جعفر، ابراهيم البهرزي ، علي الطائي ، مثلا – وبهذا يتسع مفهومنا عن التفكير النثري ليشمل الذهن والذاكرة ، وصولا الى اللاتقاليد ، أو التقاليد الشخصية البحتة ، والمثال النموذجي لهذا التفكير ، في الوزن ، هو الشاعر سعدي يوسف ، ولاشك أن ذلك يقودنا الى نسف المفهوم الساذج عن قصيدة النثر الذي يصفها بأنها قصيدة اللاوزن ، وسوف يقودنا هذا أيضا الى نسف ما اعتقدته سوزان برنار ، وتبناه اكثر النقاد العرب ، من أن شعرية قصيدة النثر تقوم على مبدأ التعويض : أي تعويض الوزن ، لأن ما يتخلى عنه الشاعر في قصيدة النثر ليس الوزن فقط ، و في حالتي أن التخلي يتسع يوما بعد آخر ليشمل " العادات الشعرية " التي ورثتها ، من اسلافي شعراء قصيدة النثر فقط ، وليست فقط تلك التي فرضت نفسها ، من الداخل أو من الخارج ، كتقاليد وحيدة وهي تمنح الشعر كينونته ولا غير ذلك ، وهنا يتحول مبدأ التعويض عند برنار الى مبدأ اجتراح لما يتوفر في النثر- كنوع ونظام من أنظمة الكتابة - من امكانيات جمالية ، لغرض توظيفها من أجل خلق عالم شعري آخر ، يمتد الى ماوراء الحدود التي اختلقها العقل ، ولفقها المنطق ، وهما يتحولان الى مؤسسة قمعية تحكم مشاعري وشعوري ، وتحد مخيلتي باسم الدين أو السياسة ، من اجل ضمان انصهاري في بودقة القطيع ، الذي يسهل اقتياده نحو الحروب والمجازر ، بغية تحقيق النصر على عدو له صفات من السهل اطلاقها على من كل يعارضها .
من بين تلك الامكانيات التي يمكن أن توظف جماليا لصالح قصيدة النثر هناك " التحرير " أي اعادة ، أوتجربة كتابة الجملة في عدة اشكال وبعدة صيغ ، وصولا الى الصيغة التي تغني الموضوع وتعمقه ، أو قد تحرفه فتذهب القصيدة باتجاه آخر ، وصولا الى الشكل النهائي والشامل ، ومن الملاحظ طبعا ان التحرير في قصيدة الوزن أقل اتساعا منه في قصيدة النثر ، لأنه في الحالة الاولى مقيد الى سلطة الايقاع ، لا الفكر ، وهناك شعراء عالميون ، قبل زمن الانترنيت ، فعلوا ذلك ، والكلام طويل في هذا الموضوع ، لكنني سأغني موضوع التفكير النثري في قرائتي للشاعر فاضل العزاوي ، بمناسبة صدور اعماله الكاملة ، التي سانشرها قريبا ، كما أن هناك حوار أجراه معي الشاعر العراقي حسين علي يونس ، اتمنى أن ينشره عن قريب ، فيه بعض هذه الافكار ، اضافة الى ماورد سابقا ، في نفس المجال ، في حواري مع الشاعر نصيف الناصري قبل عامين ، ونشرته في جريدة ايلاف الالكترونية .
لذلك كله لا اريد أن يتفاجيء القاريء الكريم ، بما فعلته ، عندما " حررت " قصيدة جديدة ، من قصيدة قديمة ، ولا أريد أن أتفاخر لو قلت : إن هذه القصيدة تختلف عن تلك ، وإنها قصيدة اخرى ، لإختلاف موضوعي القصيدتين ، فهناك اختفاء وهنا احتفاء ، وهناك مرارة وهنا فرح ، وهناك هجر وهنا لقاء ، كما أن القصيدة هناك تحمل عنوان : " الحب حسب التقويم القمري "
والعنوان يتضمن كل القصيدة عندي ، وهو اشعار بأن الشاعر هناك يقتل نموذجه الذي هو محبوته قمر ، وهي مخلوق شعري ، لاينتمي الى واقع العقل والمنطق ، وانما عالم الحلم والمخيلة ، فيما يحاول العنوان الجديد خلق نموذج آخر ، وهو نموذج متحول جماليا ، فيه من الخيال ما يؤهله للارتقاء الى مصاف الاسطورة ، لكن هل اعلن بهذا موت قمر ؟
قديما قال رينيه شار : " قتل الشاعر نموذجه " ملمحا الى " آرتين " محبوبته ، لكنني لا اعتقد أن الوصول الى نهاية الاغنية يعني موتها ، ومعرفة الاسرار لايقلل من جماليتها ، وها قد عدنا الى نقطة البداية ، فأنا من الذين يؤمنون بمشاعية الشعر ورموزه ومخلوقاته ، ولابد أن ثمة شاعر أو عاشق آخر سيبعث هذه الـ " قمر " ، أو أنها الان موجودة في قصائد الاخرين واغانيهم ، ولذلك اقول : إن ما تتفق فيه القصيدتان هو بعض الكلام ، وبعض الصور الشعرية ، وبعض المقاطع المكررة كما هي ، لكن هذا البعض موظف هناك لغايات " آيديولوجية " تختلف عن الغايات " الآيديولوجية " في هذه القصيدة ، ولست مهتما في ما لو كان أحد الشعراء ، عراقيا أو عربيا ، قد فعل ذلك قبلي على نصوصه ، أو أن ما فعلته أمر خارج عن التقاليد الشعرية ، فكلمة التقاليد فقدت اجرائيتها ، خاصة عندما يعرض البعض تلك التقاليد وكأنها وصفة سحرية تخلق المعجزات ، او كأنها ماكنة تفريخ ، والشعر عبارة عن فرّوج صغير ، يخرج من حاضنتها معافى وقويا : بهذا المعنى ، وامعانا في القطيعة : اريد أن اكتب شعرا مريضا ، وأعتقد أن هذه القصيدة عليلة ، لكنها عليلة من فرط الحب ، لاغير ، فهل تعرف التقاليد أن الحب مرض يعتري الشعر أحيانا ؟
غير أن المهم ، في هذه الاشارة ، هو أنني جسّدت رؤيتي – عبر هذا النموذج - في أن قصيدة النثر هي مشروع مفتوح على احتمالات عديدة ، وهذا المشروع لن ينتهي حتى بعد موت الشاعر ، خاصة إذا برز ذلك " المحرر " الذي بامكانه أن يستوعب الدرس الذي قدمه القدماء ، بما فيهم المتكلم المعروف نصير الدين الطوسي ، عندما أصدر كتابه الشهير " تحرير أقليدس " الذي تضمن اعادة صياغة كتاب اقليدس في الرياضيات ، وفقا لما يناسبه من معتقد ، وهناك تجارب كثيرة من هذا النوع ، تكلمت عنها كتب المستشرقين ، بما فيهم بروكلمان ، في كتابه : " تاريخ الادب العربي " . يجدر القول أيضا أن تعدد النسخ للقصيدة الواحدة ، كذلك تعد نسخ الكتاب الواحد ، امر معروف في التراث ، وللعاملين في التحقيق ، وسبب هذه الظاهرة هو " التحرير "
الذي يقوم به النسّاخ وكتبة المخطوطات ، لأسباب كثيرة ، والخوض في هذا الامر سيأخذنا حتما الى ظاهرة التناص ، والسرقة ، والانتحال ، غير أن الاشارة الى كتاب الشاعر كاظم جهاد :" أدونيس منتحلا " قد تحرك الفضول من أجل سعة الاطلاع ، وعلى ذلك يطرح السؤال التالي نفسه : هل ثمة فينا ، نحن ابناء الحداثة ، من يجرؤ على كتابة :" تحرير حسين مردان " مثلا ؟
ولِم َلا ؟
حسنا ..
تمنوا لي البقاء ، يقينا .. سأفعلها يوما .
ع . ف
|