سلفادور دالي
الرئيسية     شعر     مسرح     موسيقى     سرد     نقد     نصوص مترجمة     كتّاب الموقع     الارشيف     اتصل بنا

كاتب الموضوع: عبد العظيم فنجان - 07-11-2005

ايروتيكا الحرب




عارية ، رغم تراكم الغبار على الأيام ، رغم الشقوق على حائط الزمان ، ودوران الافلاك عكس نفسها ، لم تزل ، لحد الآن ، حبلى ، لم تضع مولودها البكر ، ربما لكثرة ماضاجعها من جنود ، في وقت واحد ، ولسنوات طويلة . تماما مثل اغنية يسمعها الجميع ، عبر مذياع ، ادمن على نشرثياب القتلى والاحياء ، على حبال الأثير ، ولم يوقف ذلك كله الا المعجزة ،التي قليلا ما تحدث ، عندما تمشي المرأة ، عارية ، في المعسكر : فيرتدي القتلي ثياب الاحياء في نشرة الاخبار ، ونمد رؤوسنا من ملاجيء ، كنا نعيش فيها كالجرذان ، نقرض حبل حياتنا، من اجل ان يكف الانتظار عن تسلق سياج عزلتنا ، اوالوقوف عند ابوابنا ، فيما هي تردد ، مثل شبح اسطوري ، اغنية نسيناها، لكثافة البرق الذي يخر في صحوننا ، ساعة يعلن البوق نفيره العام ، وهو يدعونا للنهوض صباحا ، للهرولة او لحفر الخنادق .



احيانا كانوا يبعثون بنا لجر القتلى من ياقاتهم ، حيث ، بين الدموع الاخيرة ، الباقية في عيونهم ، نقرأ عتابا حزينا الى الله ، مع رسالة لها : هي المعشوقة الكلّـية الحضور بعد غيابهم .



يحدث ايضا ان نجدها مرسومة على الشراشف : مع مقطع من شعرها الطويل ، ينحدر طوال الأسرّة ، لكل واحد منا حصته منه . لكل واحد منا براري بطنها ، وسرّتها ، فيما ساقاها الوثيرتان تغطيان برودة الجسد بدفء نادر ، فنضاجعها بحنان ، تحت شمس المخيلة التي لاتسعها المجرات .



ذلك كان يجعل منها اكثر الاساطير خلودا ، لأن من عينيها ، حينذاك ، يزحف جيش مؤلف من قتلى كل الحروب ، من ساحات المعارك التي ذكرها التاريخ ، ملقيا عنه سلاحه وجروحه كلها ، غير عابئين بالجهة ،التي منها سيأتي الموت ، ويجرفنا بتياره الى العالم الاخر ، ممسكين بأيدينا قبضة من حرارة الحياة المخبؤة بعناية ، بين طيـّات جسدها المرسوم ، حسب هواجسنا ، على الحائط .



هي امرأة اكثر من حقيقية ، كانت تلوّح بنيرانها ، وهي نائمة على سرير الخطوط ، التي شـكـّلت تقاسيم جسدها مخيلاتُ جنود معزولين عن العالم ، لابثين كانوا تحت خوذ تمنع احلامهم من الطيران ، حول فوّهتين غامضتين، مرسومتين على جبهتي قتال صدرها، أيام كان الرمل ، يرسم حتف الهارب منا ، بيد اقل رقة من اياد اولئك المجهولين الذين كوّنوها نبضة نبضة ، ولاصخب في صورتها ، رغم جلالة الشهوة ، الا صخب عـنـقها ، الذي ظلت تسيل وتسيل عليه حسرتي ، اعواما طويلة ، اطول من هامة الحرب :



كانت مجرد فكرة : كانت حلا ، وربما كانت حلما. وكنا افرادا عزّلاً ، حلمنا بها جميعا، وعلى انفراد خلقناها هكذا ، خطا خطا ، باظافرنا وحرابنا، على حائط، في صحراء ، في ثكنة ، هدمها جنود قادمون ، من بلاد اخرى ، في حرب غامضة ، حيث كانت مرسومة ، ففرت الى الشوارع ، باحثة عنا ، نحن عشاقها المفلسين ، القادمين ، وقتذاك ، عنوة الى الحرب، من اماكن شتى ، و الذين لم نمت بعد، رغم اننا لم نعد احياءا ايضا. ربما كان ذلك من الأساطير الخالدة ايضا، ففي مخيلة كل واحد منا نسخة اصلية من غنائها الخرافي النادر، ومن جسدها المقمر النبيل الذي لايمكن نسيانه ، طوال الشراشف التي لازلنا نحتفظ بها كأوسمة هزيمة او انتصار ، نبسطها على اسرّة موتنا المحتمل في اي لحظة ، وفي اجسادنا لها شبق لايمكن وصفه الا كزلزال ، قد يضرب قيعاننا ، بحثا عن ذلك المقطع الذهبي من شعرها الطويل ، الطويل .



من مخطوطة " مراسم تشييع شبح "
مواضيع ذات صلة
• هزائم
• قصائد
• غابة النار
• أُرَقُّ بحبه فأعيشُ حرّا
• وحش الشمال

مواضيع اخرى للكاتب
• أغنية من قعر زجاجة
• اغنية آخر سركون بولص في العالم
• اغنية امشي ضائعا في جمالكِ
• عندما تكون واقعا في سحر البدائي المتحضر سركون بولص .. تجربة في قراءة مجموعة : " الوصول الى مدينة اين "
• اغنية عندما كنتُ سكرانا ومفلسا